الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قبله كأنه لما قال: (وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: 10] قِيلَ: لَعَلَّهُ لَا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ يُبَصَّرُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَسَاؤُلِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُجْرِمِينَ يُبْصَّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ حَالَ مَا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ أَنْ يفدي نفسه لكل ما
يملكه، فإن الإنسان إذا كان في البلاد الشَّدِيدِ ثُمَّ رَآهُ عَدُوُّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كَانَ ذَلِكَ فِي نِهَايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
(إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)
«فَإِنْ قِيلَ» : حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ نَفُورٌ عَنِ الْمَضَارِّ طَالِبٌ لِلرَّاحَةِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعَقْلِ فَلِمَ ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؟
قُلْنَا: إِنَّمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَاصِرُ النَّظَرِ عَلَى الْأَحْوَالِ الْجُسْمَانِيَّةِ الْعَاجِلَةِ، وَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ رَاضِيًا بِهِ، لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَإِذَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصِّحَّةَ صَرَفَهُمَا إِلَى طَلَبِ السَّعَادَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
(إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَالَ: (عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) ثُمَّ: (عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) [الْمَعَارِجِ: 34] ؟