وإذا حُمِلَ الكفر والشرك المذكوران فِي الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة، حصل بذلك الجمع بين الأدلة.
والجمع واجب إذا أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم فِي الأصول وعلم الحديث.
وقال النووي فِي شرح المهذب، بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه:"ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه، ولو كان كافرا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث"
وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة ورواية ابن شقيق، فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر فِي بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها .."انتهى محل الغرض منه"
[أضواء البيان - الشنقيطي (3/ 456) ]
وبهذا يعلم أن الواجب هو الجمع بين نصوص الوعيد الواردة فِي القرآن والسنة الصحيحة التي استدل بها الخوارج والمعتزلة على تكفير مرتكبي الكبائر من مسلمي هذه الأمة، وبين نصوص الوعد التي استدل بها أهل السنة والجماعة ...
وقد سلك هذا المسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من سلف هذه الأمة.
ومنهم حَبْر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) كفر دون كفر"[الحاكم فِي المستدرك (2/ 342) رقم (3219) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"
ويمكن مراجعة التفاسير الآتية"تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 62) وجامع الأحكام للقرطبي (6/ 190) وما بعدها وتفسير البغوي (2/ 41) وفتح القدير للشوكاني (2/ 45) وأحكام القرآن للجصاص (4/ 93) ]"
قال شارح الطحاوية:"وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة."