وقال رحمه الله، وهو يرد على المبتدعة [ومنهم الخوارج والمعتزلة] الذين يردون الأحاديث الصحيحة الثابتة، بحجة معارضتها للقرآن العظيم:
"فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا وإما أن يمكن، فإن لم يمكن فهذا الفرض بين قطعي وظني أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع فِي الشريعة ولا يمكن وقوعه لأن تعارض القطعيين محال."
فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني، وإن وقع بين ظنيين فهاهنا للعلماء فيه الترجيح والعمل بالأرجح متعين.
وإن أمكن الجمع، فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع وإن كان وجه الجمع ضعيفا، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا إما جهلا به أو عنادا ..." [الاعتصام (2/ 247) ] "
وقال النووي رحمه الله:"وأما إذا تعارض حديثان فِي الظاهر، فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون المتمكنون فِي ذلك الغائصون على المعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم فِي ذلك."
فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك إلا النادر فِي بعض الأحيان.
ثم المختلف قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعا، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، لأن فِي النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به ..." [شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 35) ] "
وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله، بعد أن ذَكَر اختلاف العلماء فِي كفر تارك الصلاة عمدا:
"هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم فِي مسألة ترك الصلاة عمدا مع الاعتراف بوجوبها، وأظهر الأقوال أدلةً عندي قول من قال: إنه كافر وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث، قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن."