وتأولوا قوله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) "فقالوا: لمن يشاء معناه لمن يشاء أن يؤمن"يعني أن من شاء الله تعالى إيمانه على مذهبهم، لا بد أن يغفر له، ولا يستحق العقاب. [يراجع كتاب التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 145) للمفسر الأندلسي الكلبى]
وبهذا يعلم أنه لا يوجد عند غلاة المرجئة كافر على وجه الأرض، ممن عرف ربه بقلبه، فلا يعتبر كافرا ولا مرتدا من عرف ربه وجحد وحيه ورسالة رسله، أو أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام ...
وهو عكس مذهب الخوارج الذين يعتبر كل من عصا الله كافرا خارجا من ملة الإسلام ... وهو مخلد عندهم وعند المعتزلة فِي النار، لا يخرج منها ولا يدخل الجنة مطلقا.
وبهذا يظهر كذلك ما بين الطائفتين: الخوارج والمعتزلة وغلاة المرجئة من التناقض الشديد، وضرب بعض النصوص ببعض.
مذهب جماهير أهل السنة
هذا المذهب يخالف المذهبين السابقين ويعتبر وسطا بينهما، حيث جمع أهل السنة بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، وأنزلوا كلا منها منزلته، بدون تعارض ولا تناقض.
فإذا كان المذهب الأول قد أفرط، ناظراً إلى نصوص الوعيد وحدها، وفتح بناء على ذلك أبواب جهنم لعصاة المسلمين، وأغلق عنهم أبواب الجنة.
والمذهب الثاني قد فرط، ناظراً إلى نصوص الوعد وحدها، وفتح أبواب الجنة لجميع العصاة حتى من وقع فِي الشرك الأكبر إذا كان قد عرف الله مجرد معرفة، أو صدق بقلبه فقط، وأغلق عنهم أبواب النار التي قامت الأدلة على دخول بعض عصاة المؤمنين فيها ثم خروجهم منها
فإن مذهب أهل السنة قد اعتدل، لجمعه بين نصوص الوعيد ونصوص الوعد معاً، فنزل كلا منهما منزلته.
فالذنب الذي يخلد صاحبه فِي النار ويجعله مرتداً عن الإسلام، هو الكفر والشرك الأكبران اللذان يموت صاحبهما عليهما.