ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم فِي الإمامة.
فكل ذلك إسراف؛ إذ ليس فِي واحد من القولين تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً، ومهما وجد التكذيب، وجب التكفير، وإن كان من الفروع.
فلو قال قائل مثلاً: البيت الذي بمكة ليس الكعبة التي أمر الله بحجها، فهذا كفر، إذ قد ثبت تواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه.
ولو أنكر شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره، بل يعلم قطعاً أنه معاند فِي إنكاره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يتواتر عنده ذلك.
وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر؛ لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول، أو إنكار التواتر.
والتواتر ينكره الإنسان بلسانه، ولا يمكن أن يجهله بقلبه.
نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد، فلا يلزمه به الكفر.
ولو أنكر ما ثبت بالإجماع، فهذا فيه نظر؛ لأن معرفة كون الإجماع حجة قاطعة، فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم أصول الفقه.
وأنكر النظام كون الإجماع حجة أصلاً، فصار كون الإجماع حجة مختلفاً فيه.
فهذا حكم الفروع.
وأما الأصول الثلاثة، وكل ما لم يحتمل التأويل فِي نفسه، وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه، فمخالفته تكذيب محض.
ومثاله: ما ذكرناه من حشر الأجساد، والجنة والنار، وإحاطة علم الله بتفاصيل الأمور.
وما يتطرق إليه احتمال التأويل، ولو بالمجاز البعيد، فننظر فيه إلى البرهان:
فإن كان قاطعاً، وجب القول به.
ولكن إن كان فِي إظهاره مع العوام ضرر، لقصور فهمهم، فإظهاره بدعة.
ولم يكن البرهان قطعياً، لكن يفيد ظناً غالباً، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره فِي الدين، كنفي المعتزلة الرؤية عن الله تعالى، فهذه بدعة، وليس بكفر.
وأما ما يظهر له ضرر، فيقع فِي محل الاجتهاد والنظر، فيتحمل أن يكفر، ويحتمل أن لا يكفر.