فهرس الكتاب

الصفحة 6857 من 12621

ابتداء يمكننا القول: إن هذه التوصيات تكاد تكون إعادة إنتاج (شكلًا ومضمونًا) لتوصيات شيرلي بيرنار في تقرير مؤسسة راند، وخصوصًا في ما يتعلق برأيها في السُّنة وخطورة الأحاديث النبوية. ومعنى ذلك بكل بساطة: أن المؤتمر الذي نظَّمه مركز ابن خلدون وموَّلته الولايات المتحدة، كان تطبيقًا عمليًا لتوصيات تقرير راند عن الإسلام المدني الديمقراطي. ومما يلفت النظر بشدة: أن هذا المؤتمر لم يقنع بإصدار هذه التوصيات المثيرة للجدل الشديد، ولكنه خطا خطوة أبعد لها دلالة مهمة؛ حين اعتبر بيان المؤتمر الحاضرين فيه نواةً أساسيةً لحركة جديدة تسمى الإسلاميون الديمقراطيون في العالمين (العربي والإسلامي) ، وتجري دعوتهم بصفتهم الشخصية مرتين في العام لمتابعة التوصيات الختامية للمؤتمر. ومعنى ذلك أن توصيات التقرير الذي نشرته مؤسسة راند الأمريكية التي تمثل العقل الإستراتيجي الأمريكي لشيرلي بيرنار عام 2003م جرى تطبيق توصياته باسم الإسلاميين الديمقراطيين كما أوصت بذلك شيرلي بيرنار؛ حين دعت لتوحيد صفوف الإسلاميين الحداثيين، بل وبعض الإسلاميين التقليدين، الذين يوافقون على تحديث الدين الإسلامي بناءً على الرؤية الأمريكية [8] .

جمال البنا (دينمو) العمل في مركز ابن خلدون:

إن مما يسترعي الانتباه أن الأستاذ السيد ياسين يذكر في هذا المقال أن سعد الدين إبراهيم وصف جمال البنا في المؤتمر بأنه (دينمو العمل) ، وحق هذا؛ فقد وصفتُ الرجل أيضًا في كتابي (الإسلام الليبرالي) بأنه (المهندس الفكري للمشروع الأمريكي في هدم الإسلام) . وللرجل طبعًا أعماله المتعددة في هذا الاتجاه، ولكن ما يهمنا بعد إدراكنا لعلاقته المباشرة والعميقة بالمخطط الأمريكي هو إبراز جهوده المتواصلة في الهجوم على السُّنة النبوية.

ففي أواخر التسعينيات أصدر جمال البنا كتابه (السُّنة) الذي حشد فيه كل شبهات المنكرين للسُّنة في القرن العشرين وبعد أن كرر هجومه في عشرات الكتب التي أصدرها بعد ذلك، خصص كتابًا غاية في التطاول على الإسلام هو (تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم) ، ولماذا لا يفعل هذا إذا كانت الدعاية الأمريكية له جعلته من خلال القنوات الإعلامية التابعة لها (قنوات فضائية، صحف، مواقع إنترنت) أشهرَ مفكر في الواقع المعاصر رغم أنف الجميع؟

إن ما أريد الإشارة إليه هنا هو فضح أكذوبة الهجوم على الأحاديث النبوية والدفاع عن القرآن؛ فهؤلاء لا علاقة لهم إلا بالرعاية الأمريكية في هجومهم على الإسلام؛ فكثير من الأحاديث النبوية التي هاجمها جمال البنا في كتابه تتطابق تمامًا مع بعض آيات القرآن الكريم أو مع المعنى العام لها، مثال ذلك: إنكاره لحديث «من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه» [9] حيث قارن هذا بقوله - تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] ، وحديث: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعةً، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا» [10] . ورفضُه هنا مبعثه أن الحديث يذكر صفةً للذات الإلهية على حد قوله؛ مع أن الآية القرآنية تقول: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] . ومن هذا المعين الأمريكي يدفع بهذا أو ذاك ليردد مقولات هذا التراث العفن نفسها في الهجوم على السُّنة النبوية، وهو الذي جرى الرد عليه مرارًًا وتكرارًا من العلماء والمفكرين.

التعويق الإعلامي للعلماء والمفكرين:

يحدث كل هذا الإفك ويجد الترحيب والرعاية من كثير من القنوات الإعلامية بدعوتي (حرية الفكر، والاجتهاد) ؛ بينما يجري تعويق العلماء والمفكرين عن الرد عليهم: إما بإعطاء دورهم لمن جرى استمالتهم من رجال منسوبين للدين، أو عدم إعطائهم المساحة الكافية للرد والتشويش عليهم لإظهار هؤلاء المتطاولين على الإسلام بصورة المنتصرين.

أمثلة وتجارب من الواقع:

وأذكر في هذا الصدد مثالين من الواقع:

الأول: أن برنامجًا شهيرًا في إحدى القنوات غير المشفرة استضاف مستشارًا سابقًا اشتُهِر أمره في الطعن على صحيح البخاري وأعطته القناة فرصة كاملة في ذلك؛ ولكن الأخطر من هذا أنها استضافت للرد عليه أحد هؤلاء الذين جرت استمالتهم من المنسوبين للدين فكان موقفه هو التأكيد على آراء ذلك الطاعن، بل ربما المزايدة عليها أيضًا.

والثاني: هو أن إحدى القنوات المسؤولة جدًا اتصلت بكاتب هذه السطور لمناظرة أحد أهم هؤلاء المشاهير في التطاول على السُّنة النبوية فلما أبلغوه بشخصي - وكانت بيني وبينه مناظرة سابقة - رفض حضور المناظرة فأتوا بآخر من هؤلاء أيضًا فرفض الحضور - مثل سابقه - عندما أبلغوه بشخصي، فجرى استبدالي بأحد علماء الأزهر الشريف وإذا بهم يشوِّشون على الرجل ويضيقون عليه ويتوحدون مع هذا المتهجم على السُّنة ضده؛ حتى أن الرجل اشتكى بعد المناظرة أنهم «لم يعطوه الفرصة أن يقول كلمتين على بعض» .

إن مراد قولي من كل ما سبق: هو التأكيد على أن التعامل مع هؤلاء المتطاولين على السُّنة لا يجب أن يكون بشكل مستقل؛ وإنما في إطار مواجهة حرب فكرية شاملة تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على الإسلام، ولا من خلال اعتقاد أن مشكلة هؤلاء هي الجهل بالإسلام كما يردد عادة كثير من المشايخ الذين يردُّون عليهم؛ ولكن المشكلة في خطط مدبَّرة، وبرامج محدَّدة يعمل هؤلاء على تنفيذها.

[1] د. مصطفى السباعي، السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص 344.

[2] موقع القرآنيين.

[3] شبكة محيط: 15 سبتمبر 2010م.

[4] الإسلام الديمقراطي المدني، موقع ترجمات الزيتونة ديسمبر 2004م.

[5] المرجع السابق.

[6] المرجع السابق.

[7] شبكة البصرة: الخميس 21 تشرين 2004م.

[8] المرجع السابق.

[9] أخرجه البخاري.

[10] أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت