ـ [أم محمد] ــــــــ [25 - 01 - 2012, 01:15 م] ـ
قال بعضهم يصف صديقًا:
(لم أرَ في الناسِ وفيًّا بعد واحدٍ كان أصفى لي مودَّته، وبذل لي مُهجتَه، كان أطوعَ لي من كفِّي، وكنتُ أذلَّ له من نَعْله، أتكلَّم بكلامِه فينطقُ بلساني، إن قلتُ خيرًا أعانني، وإن مِلتُ إلى سيئ ردعني، كان -واللهِ- إذا قال فعل، وإذا حدَّث صدق، وإذا اؤتمِن لم يَخُن، ضاحِكَ السِّنِّ، مُسفِر الوجه، كان إذا غاب فكأنَّه شاهدي، وإذا غبتُ عنه فكأنَّه يَراني، لا ينطقُ لسانُه بخلاف ما يُضمر جَنانُه، لا [يدرَى] أيُّنا أسرُّ بصاحبه، ولا أيُّنا أصدق مودةً بخليطه، آنسَ ما كُنا إذا اجتمعنا، وأوحشَ ما كُنَّا إذا افترقنا ...) .
"الصداقة والصديق" (285 - 286) .
ـ [أم محمد] ــــــــ [25 - 01 - 2012, 01:16 م] ـ
(وقال أعرابي في صاحبٍ له:
أفصحُ خلق الله كلامًا إذا حدَّث، وأحسنُهم استِماعًا إذا حُدِّث، وأكفُّهم عن المُلاحاةِ إذا خُولِف، يُعطي صديقَه النَّافلة، ولا يسألهُ الفريضة، له نفسٌ عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذهب الإبريز الذي يَعِزُّ كلَّ أوان، والشمس التي لا تخفى بكل مكان، هو النجمُ المضيءُ للجيران، والباردُ العذبُ للعطشان).
المرجع السابق (288 - 289) .
ـ [أم محمد] ــــــــ [25 - 01 - 2012, 01:17 م] ـ
ومن منثور الأخبار والأشعار فيمَن تُؤثَر صُحبتُه ...:
ما رُوي عن عمر بن الخطَّاب أنه قال: عليك بإخوان الصِّدق، فعِشْ في أكنافِهم؛ فإنهم زَين في الرَّخاء، وعدَّة في البلاء.
وقالت الحُكماء: اعرِف الرَّجلَ مِن فعله لا من كلامِه، واعرِف محبَّته من عَينه لا مِن لسانِه.
وقال بعضُ الحُكماء: اصطَفِ من الإخوانِ ذا الدِّين والحسب والرأي والأدب؛ فإنَّه رِدء لك عند حاجتِك، ويدٌ عند نائبتِك، وأُنسٌ عند وحشتِك، وزَينٌ عند عافيتِك.
وقال جعفر بن محمد لابنِه: يا بُنيَّ! مَن غضبَ مِن إخوانِك ثلاث مرَّاتٍ فلم يَقل فيكَ سوءًا؛ فاتَّخِذهُ لنفسِك خِلًّا.
وقال بعضُ الأدباء: لا تصحب من النَّاس إلا: مَن يكتُم ويستر عَيبك، ويكونُ معكَ في النَّوائب، ويؤثرُك في الرَّغائب، ويَنشُر حسنتَك، ويَطوي سيِّئتَك، فإن لم تجدهُ؛ فلا تَصحَب إلا نفسَك.
وقيل لأعرابي: مَن أكرمُ الناسِ عشرةً؟ قال: مَن إن قرُب مَنح، وإن بعُد مَدح، وإن ظُلم صَفح، وإن ضُويِق سَمح، فمَن ظفر به؛ فقد أفلح وأنجح.
وقيل لابن السَّمَّاك -محمد بن صُبيح-: أي الإخوان أحقُّ بإبقاء المودَّة؟ قال: الوافرُ دينُه، الوافي عقلُه، الذي لا يَملُّك على القُرب، ولا يَنساكَ على البُعد، إن دنوتَ منه داناكَ، وإن بعُدتَ عنه راعاكَ، وإن استَعنتَ به عضدك، وإن احتجتَ إليه رفدك، وتكونُ مودةُ فِعله أكثرَ مِن مودَّة قَوله.
وقيل لخالد بن صفوان التميمي المِنقري: أي إخوانك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يسدُّ خَلَّتي، ويغفرُ زلَّتي، ويُقيل عثرتي.
وروي عنه -أيضًا- أنه قال: اصحَب مَن يَنسى معروفَه عندك، ويَذكُرُ حقوقَك عليه.
وقيل: اصحبْ من إذا صحبتَه زانَكَ، وإذا خدمتَه صانَك، وإذا أصابتْكَ خصاصةٌ مانك، وإن رأى منك حسنَةً سُرَّ بها، وإن رأى منك سَقطةً سترها، ومَن إذا قُلتَ صدَّق قَولك، ومَن هو فَوقك في الدِّين ودونك في الدُّنيا، وكلُّ أخٍ وجليسٍ وصاحبٍ لا تستفيدُ منه في دينِك خيرًا؛ فانبِذ عنكَ صُحبتَه)"غاية المنوة" (75 - 78) -بانتقاء-.
ـ [أم محمد] ــــــــ [25 - 01 - 2012, 01:18 م] ـ
واعلم أن لِقِوام الصُّحبةِ حقوقًا، فبِقدرِ تأديتِها أو الإخلالِ بها؛ تدومُ الأُخوَّةُ أو تنخرم.
وكانت الحُكماءُ تقول:
إنَّ مما يجب للأخِ على أخيه: مودَّتُه بِقلبِه، وتَزيينُه بلِسانِه، ورَفدُه بِمالِه، وتقويمُه بأدبِه، وحُسنُ الذَّبِّ والمدافعةِ عنه في غيبتِه.
وقد جمع هذه الحقوقَ أبو حامدٍ في"إحيائه"، وهي:
الإخلاصُ والوفاءُ، والإعانةُ، وحفظُ اللسانِ بالسُّكوتِ عن المَكارِهِ وإطلاقُه بالنُّطقِ بالمَحابِّ، والعَفوُ عن الزَّلاتِ، والتَّخفيفُ عليه، وإخبارُ صاحبِه بمحبَّتِه له، والدُّعاءُ له.
حكي أن رجلًا لقيَ صاحبًا له، فقال له: إنِّي أحبُّك.
فقال: كذبت! لو كنتَ صادقًا؛ ما كان لفَرَسِك بُرقعٌ وليس لي عباءة.
وقال الشَّاعرُ:
وإن كان الصَّديقُ قليلَ مالٍ /// يَضيقُ بذَرعِه ما في يدَيهِ
فمِن أسنَى فِعالِ المرءِ أن لا /// يضِنَّ على الصَّديقِ بما لدَيهِ منتقى من"غاية المنوة" (83 وما بعدها) .
ـ [أم محمد] ــــــــ [25 - 01 - 2012, 01:19 م] ـ
قال أبو المتيَّم الرَّقي: قلتُ لابن المولَّه: مَن أُخلصُ إليه، وأشتملُ بِسرِّي وعلانيتي عليه؟
قال: مَن إذا لم يكنْ لنفسك كان لكَ، وإذا كنتَ لنفسك؛ كان معك، يجلو صدأ جهلِك بعِلمِه، ويحسمُ مادَّة غيِّكَ برُشده، ويَنفي عنك غِشَّ صدركَ بنُصحِه، اصحَبْ مَن إن قلتَ صدقك، وإن سكتَّ عذرك، وإن بذلتَ شكرك، وإن منعتَ سلم لك.
قلتُ: يا سيدي! مَن لي بِمَن هذا نعتُه؟
قال: كُن أنتَ ذاك؛ تجدك على ذاك، ويجدكَ مثلك على ذاك، كأنَّك إنما تحب أن يكون غيرُك لك، ولا تحبُّ أن تكون أنت لغيرك.
وقيل لبُرهان الصُّوفي: مَن الصَّديق؟
قال: يا هذا؛ مَن بِضعُ نصفِه معدومٌ عليكَ؛ فاطلبْ مَن يسعك بخُلُقه، ويؤنسكَ بنفسه، ويُواسيكَ مِن قليله، إن رضيَ عنكَ لم يُغلظكَ، وإن سخطَ عليكَ لم يمقتكَ، يُبدي لك خيرَه لتقتديَ به، ويُواري عنكَ شرَّه لئلا تستوحشَ منه، فأمَّا مَن تكونُ مثالَ نفسِه في كل حالٍ تلوَّن به الدَّهر، وهمَّ صدره في كلِّ أمر، يُقلِّب به الليل والنَّهار، يقدِّم حظَّك على حظِّه، ولا يسارق النَّظر بلحظه، ولا يُغلظ القولَ بلفظِه، ولا يتغيَّر لكَ في غَيبِه، ولا يَحولُ عمَّا عهدتَه في شهادتِه، يُعانقُ مصلحتَك بالاهتِمام، ويُثبت قدمَك عند الإقدام والإحجام، فذاك شيءٌ قد سدَّ النَّاسُ دونه كلَّ بابٍ، وقصَّر الطمعُ فيه عن كلِّ قاب، فليس له شبحٌ إلا الوهم، ولا خيال إلا التمنِّي! والسلام.
الصداقة والصديق (232 - 233) .
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)