أهو قول مجنون ؟ كلّا فما قائله بمجنون ، ولا فيما يقوله إلّا أحكم المنطق وأصوب القول ..
وهكذا ، تدور الخواطر فِي نفسه ، وتصطرع الآراء فِي عقله ، وهو عاجز عن أن يخرج من هذه العاصفة المزمجرة التي احتوته.
« ثُمَّ عَبَسَ » .. هذه انطباعة من أثر هذا الصراع الدائر فِي كيانه ..
لقد طرقه خاطر مخيف فردّه بهذا العبوس ، والتجهم .. ولعل هذا الخاطر كان يدعوه إلى أن يستسلم للحق ، ويخرج على قريش معلنا إيمانه بآيات اللّه ، وتصديقه برسول اللّه!! ولكن هذا العبوس قد ردّ هذا الخاطر ، وألقى به فِي عباب الخواطر التي تموج فِي صدره.
« وَبَسَرَ » أي زاد على العبوس تقطيبا ، وزمّا لفمه ، وتكشيرا عن أنيابه ..
وهذه كلها تكشف عن حركات نفسية ، تغدو وتروح ، وتقبل وتدبر ، فِي صدر هذا الشقي العنيد ، الذي يموج بهذه المشاعر المتضاربة.
« ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ » هذه هي الجولة الأخيرة فِي هذا الصراع الذي كان محتدما فِي نفسه .. لقد انهزم العقل ، وانتصر الهوى ، وغابت الحكمة ، وحضر الطيش والنزق .. وانتهى الأمر بأن أعطى هذا الشقي العنيد ظهره للحقّ ، وأخذته العزّة بالإثم ، فأبى أن يتبع سبيل المؤمنين.
« فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » !! وبدلا من أن يقول: « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » .. قال « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » أي ما هذا الذي يتلوه محمد علينا - ما هو إلا سحر ،