أجمعوا على أن المدثر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واختلفوا في أنه عليه الصلاة والسلام لم سمي مدثراً ، فمنهم من أجراه على ظاهره وهو أنه كان متدثراً بثوبه ، ومنهم من ترك هذا الظاهر ، أما على الوجه الأول فاختلفوا في أنه لأي سبب تدثر بثوبه على وجوه أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن ، روى جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال:"كنت على جبل حراء ، فنوديت يا محمد إنك رسول الله ، فنظرت عن يميني ويساري ، فلم أر شيئاً ، فنظرت فوقي ، فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض ، فخفت ورجعت إلى خديجة ، فقلت: دثروني دثروني ، وصبوا علي ماء بارداً ، فنزل جبريل عليه السلام بقوله: {يا أَيُّهَا المدثر} "وثانيها: أن النفر الذين آذوا رسول الله ، وهم أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد ، فكل واحد منا يجيب بجواب آخر ، فواحد يقول: مجنون ، وآخر يقول: كاهن ، وآخر يقول: شاعر ، فالعرب يستدلون باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة ، فتعالوا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد ، فقال واحد: إنه شاعر ، فقال الوليد: سمعت كلام عبيد بن الأبرص ، وكلام أمية بن أبي الصلت ، وكلامه ما يشبه كلامهما ، وقال آخرون كاهن ، قال الوليد: ومن الكاهن ؟ قالوا: الذي يصدق تارة ويكذب أخرى ، قال الوليد: ما كذب محمد قط ، فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: ومن يكون المجنون ؟ قالوا: مخيف الناس ، فقال الوليد: ما أخيف بمحمد أحد قط ، ثم قام الوليد وانصرف إلى بيته ، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة ، فدخل عليه أبو جهل ، وقال مالك: يا أبا عبد شمس ؟ هذه قريش تجمع لك شيئاً ، زعموا أنك احتججت وصبأت ، فقال: الوليد مالي إليه حاجة ، ولكني فكرت في محمد.