وكل ما في القرآن من مثل هذه المشيئة، فهي على ما بينته في غير موضع، أن مشيئتهم تبع لمشيئة الله - جل وتعالى - لقوله سبحانه: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .
فمن زعم: أن مشيئته غالبة مشيئة الله فقد كفر بيقين، فصح أن
مشيئة العباد تبع لمشيئة الله - عز وجل - إذ لا ثالث له
قوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) ،
يقال - في التفسير -: إنهم ولدان المسلمين فِي هذا الموضع، لا يحاسبون، لأنهم لم يعملوا معصية ارتهنوا بها.
فإن قيل: فإذا كان هكذا، فما معنى قول النبي، صلى الله عليه
وسلم، حين قالت له عائشة - في طفل أتي به ليصلي عليه -:
عصفور من عصافير الجنة لم يعمل خطيئة. فقال:"أو"
غير ذلك يا عائشة، إن الله - تبارك وتعالى - خلق للجنة أهلا،
بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، مدمن عليهم، لايزاد فيهم ولا
ينقص منهم إلى يوم القيامة"."
قيل: القرآن - والله أعلم - ذكرهم على الظاهر الأعم، والنبي،
صلى الله عليه وسلم، أجاب عائشة على الباطن الأخص، حين أشارت
إلى طفل بعينه، وشهدت له بالجنة، فأعلمها - عليه السلام - أن
الإشارة إلى شخص بعينه لا تجوز، لأنه لا يدرى كيف كتب عند
الله، وفي أي القبضتين خرج.
وهذا كما يقال: المقتول في سبيل الله شهيد، فإذا قُتل شخص بعينه
لم يجز أن يشهد عليه بالشهادة، كما قال عمر بن الخطاب - رضي اللَّه عنه - في حديث أبي العجفاء السلمي: والأخرى تقولونها في
مغازيكم، قتل فلان شهيدًا، ولعله قد أوقر ركابه ذهبًا وفضة -
يريد الغلول - فلا تقولوا: فلان شهيد، ولكن قولوا كما قال رسول
الله، صلى الله عليه وسلم:"من قتل في سبيل الله، فهو شهيد".
وكحديث مِدْعم مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين