حكاية عنهم أنهم قَالُوا ذلك لرسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ لا أنهم قَالُوا فيما بينهم ذلك؛ لأنه
لا يكون قوله: (قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى) جوابًا إلا إذا قَالُوا ذلك له عَلَيْهِ السَّلَامُ فقوله:
(قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه) الآية. يدل عَلَى أمرين: الأول أنه حكاية عنهم أنهم قالوا ذلك، والثاني أنهم
قَالُوا ذلك له عليه السَّلام ليطابقه قوله: (قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه) الآية، وفي الكَشَّاف إنما حمله
على الحكاية ليطابقه قوله: (قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه) فإنه يقتضي سابقة قول ممن يذب عليه
السلام إلَى حجاجهم مبني عَلَى تمادي لجاجهم، ووجه كونه جوابًا مع أن ظاهره ليس جوابًا
عنه أنهم كانوا ادعوا أن ملتهم هُوَ الهدى لا هدى سواها، وعن هذا قَالُوا ذلك، فأجيب بأن
الهدى هدى الله الذي هُوَ الْإسْلَام، فقلبت عليهم القضية وللذهول عن هذه الدقيقة الأنيقة
قال مَوْلَانَا أبو السعود ما يتحير منه أولو الألباب، فإنه جعل قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه)
جوابًا عَمَّا يستلزم مضمون هذه العبارة لا جوابًا عن عين تلك العبارة، وذهل عَمَّا ذكرنا
من أن قولهم ولن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا مبناه ادعاء أن الاهتداء فيهما لا في غير
الْيَهُودية والنصرانية. فالْجَوَاب عن عين تلك العبارة بهدم مبناها أوقع في النفوس وأبلغ في
ردهم، كإيراد الشيء ببرهانه، ولا يظن أن أحدًا ينكر حسنه مع أن فيه إيجاز نظمه وجزالة
معناه، وصيغة الترجي لأن من عادة العظماء الترجي والتوقع في مقام الجزم، وعليه يحمل
قول الكَشَّاف كأنهم قَالُوا (لن [نرضى] عنك) وإن أبلغت في طلب رضانا
حتى تتبع ملتناـ أو يحتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله تَعَالَى بعدم رضائهم فـ [حِينَئِذٍ] يكون قوله
تَعَالَى: (قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه) الآية. جوابًا عن ادعائهم أن الدين الْيَهُودية والنصرانية لا جوابًا
عن تلك العبارة بإبطال مبناها، ومثل هذا شائع في كلامه البلغاء، لا سيما في كلام الله الملك
الأعلى، وعدم تصريح الحكاية مثل قوله: (وقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) الآية.
يؤيد هذا بنوع تأييد (تعليمًا للجواب) .
قوله: (أي هدى الله الذي هُوَ الْإسْلَام) فالهدى بمعنى المهدي.
قوله: (هُوَ الهدى إلَى الحق) إلَى الأمور الواقعة في نفس الأمر وبعد تسمية الْإسْلَام
هدى مُبَالَغَة كرجل عدل، جعله هدى أي هداية أو هاديًا إلَى الحق، لكن الْإسْلَام هُوَ الحق
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: من الدين معلوم صحته. صرف معنى العلم إلَى المعلوم؛ لأن الذي أُوحي إليه هو
المعلوم لا نفس العلم.