ثم الآية ترد على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا) ذكر"قَضى"وذكر"أَمْرًا"، وذكر"كُنْ فَيَكُونُ". ولو كان التكوين والمكون واحدًا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ"كن"تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.
ثم لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن فحدث، أو كان في الأَزل.
فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك في شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له. وذلك فاسد، ثبت أَن الإحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن اللَّه تعالى موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وباللَّه التوفيق.
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ(118)
قيل فيه بوجوه:
قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم.
وقيل: لا يعلمون توحيد ربهم؛ وهم مشركو العرب. قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: هلا يكلمنا اللَّه، أو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله.
وقيل: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ) ، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم اللَّه إياهم.
وقيل: (لَا يَعْلَمُونَ) أنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإِيتاء رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون.
وقوله: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) .
قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، ما قال مشركو العرب لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وهو قوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) .