وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَصُرَتْ مَعْرِفَتُهُ عَنْ تَوْجِيهِ الْكَلَامِ وِجْهَتَهُ أَنَّ قَوْلَهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} خَاصَّةٌ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَلَيْسَتْ بِعَامَّةٍ. وَغَيْرُ جَائِزٍ ادِّعَاءُ خُصُوصٍ فِي آيَةٍ عَامٌّ ظَاهِرُهَا إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي زَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ مُكَذِّبُهُمْ هُوَ وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، إِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالدَّلَالَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَإِقْرَارِهِمْ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مُبْدِعُهَا.
وَإِنَّمَا هُوَ مُفْعِلٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا صُرِفَ الْمُؤْلِمُ إِلَى أَلِيمٍ، وَالْمُسْمِعُ إِلَى سَمِيعٍ.
وَمَعْنَى الْمُبْدِعِ: الْمُنْشِئُ وَالْمُحْدِثُ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى إِنْشَاءِ مِثْلِهِ وَإِحْدَاثِهِ أَحَدٌ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُبْتَدِعُ فِي الدِّينِ مُبْتَدِعًا لِإِحْدَاثِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مُحْدَثٍ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مُبْتَدِعًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي مَدْحِ هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ:
[البحر البسيط]
يَرْعَى إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا ... أَبَدَوْا لَهُ الْحَزْمَ أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا
أَيْ يُحْدِثُ مَا شَاءَ. وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
فَأَيُّهَا الْغَاشِي الْقِذَافَ الْأَتْيَعَا ... إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ التَّقِيَّ الْأَطْوَعَا
فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَقِّ أَنْ تَبَدَّعَا