أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَهُمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْخِزْي: الْعَارَ وَالشَّرَّ وَالذِّلَّةَ إِمَّا الْقَتْلُ وَالسِّبَاءُ، وَإِمَّا الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ
وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الذِّلَّةُ وَالْهَوَانُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ، عَلَى مَنْعِهِمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَسَعْيُهُمْ فِي خَرَابِهَا.
وَلَهُمْ - عَلَى مَعْصِيَتِهِمٍ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا - عَذَابُ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} لِلَّهِ مُلْكُهُمَا وَتَدْبِيرُهُمَا، كَمَا يُقَالُ: لِفُلَانٍ هَذِهِ الدَّارُ، يَعْنِي بِهَا أَنَّهَا لَهُ مِلْكًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}
يَعْنِي أَنَّهُمَا لَهُ مِلْكًا وَخَلْقًا. وَالْمَشْرِقُ: هُوَ مَوْضِعُ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مَوْضِعُ طُلُوعِهَا، كَمَا يُقَالُ لِمَوْضِعِ طُلُوعِهَا مِنْهُ مَطْلِعٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَكَمَا بَيَّنَّا فِي مَعْنَى الْمَسَاجِدِ آنِفًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَمَا كَانَ لِلَّهِ إِلَّا مَشْرِقٌ وَاحِدٌ وَمَغْرِبٌ وَاحِدٌ حَتَّى قِيلَ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ؟
قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ الَّذِي تُشْرِقَ مِنْهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ، وَالْمَغْرِبُ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ.
فَتَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ: وَلِلَّهِ مَا بَيْنَ قُطْرَيِ الْمَشْرِقِ، وَمَا بَيْنَ قُطْرَيِ الْمَغْرِبِ، إِذْ كَانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ لَا تَعُودُ لِشُرُوقِهَا مِنْهُ إِلَى الْحَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ غُرُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ. فَإِنْ قَالَ: أَوْ لَيْسَ وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتَ فَلِلَّهِ كُلُّ مَا دُونَهُ الْخَلْقُ خَلْقُهُ؟