ينص تعالى هنا أن قوم نوح اتبعوا من هذا وصفه مع أن المال يزيد الإنسان نفعاً. وقد بين تعالى أن المال فعلاً قد يورث خسارة ، وهلاكاً كما في قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6 - 7] أي بالطغيأن يكون إهلاكاً.
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)
في هذه نص على أن نبي الله نوحاً طلب من الله إهلاك من على الأرض جميعاً ، مع أن عادة الرسل الصبر على أممهم ، وفيه إخبار نبي الله نوح عمن سيولد من بعد ، وأنهم لم يلدوا إلا فاجراً كفاراً ، فكيف دعا على قومه هذا الدعاء وكيف حكم على المواليد فيما بعد؟
والقرآن الكريم بين هذين الأمرين:
أما الأول: فإنه لم يدع عليهم هذا الدعاء إلا بعد أن تحدوه ويئس منهم ، أما تحديهم ففي قولهم: {يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ} هود: 32].
وقوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر} [القمر: 9 - 10] .
وأام يأسه منهم فلقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36] .
وأما إخباره عمن سيولد بأنه لن يولد لهم إلا فاجر كفار ، فهو من مفهوم الآية المذكورة آنفاً ، لأنه إذا لم يؤمن من قومه إلا من قد آمن ، فسواء في الحاضر أو المستقبل.
وكذلك بدليل الاستقراء ، وهو دليل معتبر شرعاً وعقلاً ، وهو أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل كانوا هم ومن معهم غيرهم حمل سفينة فقط ، فكان دليلاً على قومه أنه فتنوا بالمال ولم يؤمنوا له ، وهو دليل نبي الله موسى عليه السلام أيضاً على قومه.