(ثم إني أعلنت لهم) أي دعوتهم معلناً لهم بالدعاء (وأسررت لهم) الدعوة (إسراراً) كثيراً قيل المعنى أنه يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجح ذلك فيهم، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبتدئ بالأهون ثم بالأشد فالأشد، قال مجاهد معنى أعلنت صحت، وقيل معنى أسررت أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها.
(فقلت استغفروا ربكم) ، أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة أعيانها وآثارها بإخلاص النية (إنه كان غفاراً) أي كثير المغفرة للمذنبين، وقيل لمعنى توبوا عن الكفر إنه كان غفاراً للتائبين.
(يرسل السماء عليكم مدراراً) أي يرسل ماء السماء عليكم، ففيه إضمار وقيل المراد بالسماء المطر، والمدرار الدرور، وهو التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء ولم يؤنث لأن مفعالا لا يؤنث بل يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول امرأة مئناث ومذكار أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالاً مدراراً، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر، وفي هذه الآية دليل"على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر، وحصول أنواع الأرزاق ومن لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً".
ولهذا قال:
(ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات) أي بساتين الدنيا ليكون مما وعدوا به عاجلاً (ويجعل لكم أنهاراً) جارية، قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم وكانوا يحبونهما فحركوا بهذا على الإيمان وأعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا، وأعاد فعل الجعل ولم يقل وأنهاراً لتغايرهما فإن الأول مما لفعلهم فيه مدخل بخلاف الثاني.