فكأن عمر رضي الله عنه، فهم أن حاطبا رضي الله عنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، لأن ما فعله لا يصدر من مسلم يؤمن بالله ورسوله، وهو قرينة على كان منافقا فِي إسلامه ... ولم يقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل أثنى على حاطب وعذره. وقد روى قصة حاطب بطولها الإمام البخاري وغيره كما سبق، وذكرها المفسرون فِي تفسير سورة الممتحنة.
وكذلك أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على من رمى"مالك بن الدخشن"بالنفاق، واستدل على ذلك بقرينة وهي نصحه للمنافقين، أي لمصلحتهم.
كما فِي قصة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم فِي مكان من بيت عتبان بن مالك ليتخذه مسجدا، التي رواها محمود بن الربيع رضي الله عنه ... قال قائل ممن اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين مالك بن الدخيشن أو بن الدخشن؟ فقال بعضهم ذلك منافق لا يحب الله ورسوله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله) قال: الله ورسوله أعلم، قال فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) [صحيح البخاري (1/ 164) رقم (415) وصحيح مسلم (1/ 61) رقم (33) ]
أما من دلت القرائن على نفاقه ولم يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم صدقه، بل قد يترجح له أنه منافق فعلا، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يدافع عنه ولا يثني عليه، ولكنه لا يقر أحدا على قتله، ويعلل ذلك بأنه قد أظهر للناس أنه من المسلمين، والإسلام يعصم دماء من أظهره وماله، فإذا إذن فِي قتله ظن الناس أن محمدا يقتل من آمن به ...
كما فِي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا فِي غزاة ... فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين!
فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما بال دعوى جاهلية) ؟