لقد عامل الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقين الذين كان كفرهم أشد من الكفار الصرحاء، معاملة المسلمين فِي أحكام الدنيا، فلم يفرق بينهم وبين غيرهم من صحابته رضي الله عنهم، على رغم أن سيرتهم كانت دالة دلالة لا لبس فيها أنهم يكفرون بالله ورسوله وباليوم الآخر، ولم يكونوا مؤمنين مطلقا.
وبهذا يعلم أن من أظهر الإسلام ودلت القرائن على كفره، لا يعامل معاملة الكفار حتى يكون كفره صريحا ...
وقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتخذون ما يبدو لهم من القرائن الدالة على خيانة بعض الأشخاص ممن أظهروا إسلامهم حجة على عدم إيمانهم، ويستأذنونه فِي قتلهم ويصفونهم بالمنافقين لما يظهر لهم من أن نفاقهم نفاق اعتقادي أي إنهم كفار وليسوا بمسلمين.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، يدافع عمن عرف صدقه وإيمانه ويقبل عذره ويذكر ما له من فضائل، كما فِي قصة"حاطب بن أبي بلتعة"رضي الله عنه، الذي كشف فِي رسالة له سر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزمه على فتح مكة أرسلها إليهم مع امرأة، وكان صلى الله عليه وسلم قد أخفاه ليهاجم قريشا قبل أن يستعدوا لقتاله.
وأظهر الله أمره قبل أن تصل رسالة حاطب إلى قريش، فبعث عليا والزبير والمقداد، فأدركوا المرأة وأخذوا الرسالة منها، وسلموها للرسول صلى الله عليه وسلم، فأنكر على حاطب فعله، فاعتذر حاطب بأنه أراد أن يتخذ عند قريش يدا يحمي بها قرابته التي لا يوجد من يحميهم كبقية قرابات قريش ونفى عن نفسه الارتداد عن الإسلام ...
فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [صحيح البخاري (4/ 1557) رقم (4025)