وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة، بل إن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها مشاهدة القلب، فينبغي أن لا يظهره ولا يذكره، لأن السلف لم يذكروه.
لكن عند هذا يقول الحنبلي: إثبات الفوق لله تعالى مشهور عند السلف، ولم يذكر أحد منهم أن خالق العالم ليس متصلاً بالعالم ولا منفصلاً، ولا داخلاً ولا خارجاً.
وأن الجهات الست خالية عنه، وأن نسبة جهة فوق إليه كنسبة جهة تحت، فهذا قول بدع، إذ البدعة عبارة عن أحداث مقالة غير مأثورة عن السلف.
وعن هذا يتضح لك أن هاهنا مقامين:
أحدهما: مقام عوام الخلق. والحق فيه الاتباع، والكف عن تغيير الظاهر رأساً، والحذر من إبداع التصريح بتأويل لم تصرح به الصحابة، وحسم باب السؤال رأساً، والزجر عن الخوض فِي الكلام، والبحث، واتباع ما تشابه من الكتاب والسنة.
كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأله سائل عن آيتين متعارضتين، فعلاه بالدرة. وكما روي عن مالك، رحمه الله، أنه سئل عن الاستواء، فقال: (الاستواء معلوم، والإيمان به واجب، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة) .
المقام الثاني: بين النظار الذي اضطربت عقائدهم المأثورة المروية، فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع، ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضاً بأن يراه غالطاً فيما يعتقده برهاناً؛ فإن ذلك ليس أمراً هيناً سهل المدرك وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه، يعترف كلهم به، فإنهم إذا لم يتفقوا فِي الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا الموازين الخمسة فِي كتاب (القسطاس المستقيم) وهي التي لا يتصور الخلاف فيها بعد فهمها أصلاً، بل يعترف كل من فهمها بأنها مدارك اليقين قطعاً. والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف، وكشف الغطاء ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل منهم الاختلاف أيضاً.