والمعتزلي تأول نفس الميزان وجعله كناية عن سبب، به ينكشف لكل واحد مقدار عمله، وهو أبعد عن التعسف فِي التأويل بوزن الصحائف.
وليس الغرض تصحيح أحد التأويلين، بل أن تعلم أن كل فريق، وإن بالغ فِي ملازمة الظواهر فهو مضطر إلى التأويل، إلا أن يجاوز الحد فِي الغباوة والتجاهل، فيقول:
الحجر الأسود يمين تحقيقاً.
والموت وإن كان عرضاً يستحيل فينتقل كبشاً بطريق الانقلاب.
والأعمال، وإن كانت أعراضاً، وقد عدمت، فينتقل إلى الميزان، ويكون فيها أعراض هيا الثقل.
ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل، فقد انخلع من ربقة العقل.
الفصل السابع: شرط التأويل، البرهان القاطع
فاسمع الآن قانون التأويل، فقد علمت اتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس، فِي التأويل، وأن شيئاً من ذلك ليس من حيز التكذيب.
واتفقوا أيضاً على أن جواز ذلك موقوف على قيام البرهان على استحالة الظاهر.
والظاهر الأول هو الوجود الذاتي، فإنه إذا ثبت تضمن الجميع، فإن تعذر فالوجود الحسي، فإنه ثبت تضمن ما بعده، فإن تعذر فالوجود الخيالي، أو العقلي، وإن تعذر فالوجود الشبهي المجازي.
ولا رخصة للعدول عن درجة إلى ما دونها إلا بضرورة البرهان، فيرجع الاختلاف على التحقيق إلى البراهين.
إذ يقول الحنبلي: لا برهان على استحالة اختصاص الباري بجهة فوق.
ويقول الأشعري: لا برهان على استحالة الرؤية.
وكأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم، ولا يراه دليلاً قاطعاً.
وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطاً فِي البرهان، نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً:
أما ضالاً، فمن حيث إنه ضل عن الطريق عنده.
وأما مبتدعاً، فمن حيث إنه ابتدع قولاً لم يعهد من السلف الصالح التصريح به، إذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالى يرى. فقول القائل لا يرى بدعة.