وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة لله تعالى: إما القدرة، أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون.
وأما الوجود الشبهي: فمثاله الغضب، والشوق، والفرح، والصبر، وغير ذلك، مما ورد فِي حق الله تعالى.
فإن الغضب مثلاً حقيقته: أنه غليان القلب، لإرادة التشفي. وهذا لا ينفك عن نقصان وألم.
فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب لله تعالى، ثبوتاً: ذاتياً، وحسياً، وخيالياً، وعقلياً نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب، كإرادة العقاب. والإرادة لا تناسب الغضب فِي حقيقة ذاته، ولكن فِي صفة من الصفات تقارنها، وأثر من الآثار يصدر عنها، وهو الإيلام. فهذه درجات التأويل.
الفصل السادس: ضرورة التأويل مفروضة على جميع الفرق
اعلم أن كل من نزل قولاً من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات، فهو من المصدقين. وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني، ويزعم أن ما قاله لا معنى له، وإنما هو مكذب محض، وغرضه فيما قاله التلبيس، أو مصلحة الدنيا.
وذلك هو الكفر المحض، والزندقة. ولا يلزم كر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل كما سنشير إليه. وكيف يلزم الكفر بالتأويل، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه.
فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازاً، أو استعارة، وهو الوجود العقلي، والوجود الشبهي.
والحنبلي مضطر إليه وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون إن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط.
أحدها: قول صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود يمين الله فِي الأرض) .
والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) .
والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن) .