فإن رخّص للباقلاني فِي مخالفته فلِمَ حجر على غيره؟ وما الفرق بين الباقلاني والكرابيسي والقَلانْسي وغيرهم؟ وما مُدرِكُ التخصيص بهذه الرخصة؟ وإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظٍ لا تحقيق وراءه كما تعسًّف بتكلّفِه بعضُ المتعصبين زاعما أنهما جميعا متوافقان على دوام الوجود، والخلافُ فِي أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصفٍ زائد عليه، خلافٌ قريبٌ لا يوجب التشديد، فما باله يشدد القول على المعتزلي فِي نفيه الصفات وهو معترف بأن الله تعالى عالِم محيطٌ بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وإنما يخالف الأشعري فِي أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة؟ فما الفرق بين الخلافين؟ وأي مطلب أجلّث وأخطر من صفات الحق سبحانه وتعالى فِي النظر فِي نفيهما وإثباتهما؟
فإن قال إنما أكفِّرُ المعتزلي لأنه يزعم أن الذات الواحدة تصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة، وهذه صفاتٌ مختلفة بالحد والحقيقة، والحقائقُ المختلفةُ تستحيل أن توصف بالاتحاد أو تقومَ مقامَها الذاتُ الواحدةُ، فما بالُهُ لا يستبعد من الأشعري قولَه إن الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحداً هو توراةٌ وإنجيلٌ وزبور وقرآن، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار - وهذه حقائق مختلفة. وكيف لا وحَدُّ الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا يتطرق ذلم إلى الأمر والنهي. فكيف تكون حقيقةٌ واحدة يتطرق إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق، فيجتمع النفي والإثبات على شيء واحد؟
فإذا تخبط فِي جواب هذا أو عجز عن كشف الغطاء فيه: فاعلم أنه ليس من أهل النظر وإنما هو مقلّد، وشرط المقلد أن يَسكُت ويُسكَتَ عنه، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج. ولو كان أهلاً له كان مستتبَعاً لا تابعا، وإماماً لا مأموماً. فإن خاض المقلد فِي المَحاجَّة فذلك منه فضولٌ والمشتغلُ به صار كضاربٍ فِي حديدٍ باردٍ وطالبٍ لصلاح الفاسدِ - وهل يصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ؟