(فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) (5) .
الفصل الثاني: التكفير بسبب الاختلاف المذهبي ناتج عن التقليد ولا أساس له
فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة (6) من صدرك، وصدر من هو فِي حالك، ممن لا تحركه غواية الحسود، ولا تقيده عماية التقليد، بل تعطشه إلى الاستبصار لحزازة إشكال أثارها فكر، وهيجها نظر. فخاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحد الكفر. (أي تعريفه) فإن زعم أن حد الكفر: ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم؛ فاعلم أنه غِر (7) ، بليد. قد قيده التقليد؛ فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان. وناهيك حجة فِي إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى خصومه؛ إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً ولعل صاحبه يميل، من بين سائر المذاهب، إلى الأشعري (كان مذهب الأشعري هو السائد فِي ذلك العصر) ، ويزعم أن مخالفته فِي كل وِرْدٍ وصدر، كفر من الكفر الجلي. فسأله من أين ثبت له أن يكون الحق وقفا عليه حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه فِي صفة البقاء لله تعالى وزعم أنه ليس هو وصفا لله تعالى زائدا على الذات. ولِمَ صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني؟ ولِمَ صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السبق فِي الزمان فقد سبق الأشعريَّ غيرُهُ من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه أم لأجل التفاوت فِي الفضل والعلم؟ فبأي ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل فِي الوجود من متبوعه ومقلده؟