أو ما سمعت قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً فِي الأرض، أو سلماً فِي السماء، فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) (1) .وقوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) (2) .
وقوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً فِي قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (3) .وقوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون) (4) .
واعلم أن حقيقة الكفر والإيمان وحدَّهما، والحق والضلال وسرهما، لا ينجلي للقلوب المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما. بل إنما ينكشف ذلك لقلوب،
طهرت من وسخ أوضار الدنيا، أولاً
ثم صقلت بالرياضة الكاملة، ثانياً
ثم نورت بالذكر الصافي، ثالثاً
ثم غذيت بالفكر الصائب، رابعاً
ثم زينت بملازمة حدود الشرع، خامساً
حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة، وصارت كأنها مرآة مجلوة. وصار مصباح الإيمان فِي زجاجة قلبه، مشرق الأنوار، يكاد زيته يضيء ولم لم تمسسه نار.
وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم:
إلههم هواهم!!!
ومعبودهم سلاطينهم!!!
وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم!!!
وشريعتهم رعونتهم!!!
وإرادتهم جاههم وشهواتهم!!!
وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم!!!
وذكرهم وساوسهم!!!
وكنزهم سواسهم!!!
وفكرهم استنباط الحيل، لما تقتضيه حشمتهم!!!
فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر، من ضياء الإيمان؟ أبإلهام إلهي؟ ولم يفرغوا القلوب من كدورات الدنيا لقبولها. أم بكمال علمي؟ وإنما بضاعتهم فِي العلم، مسألة النجاسة، وماء الزعفران وأمثالهما.
هيهات!! هيهات!! هذا المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى، أو ينال بالهوينا. فاشتغل أنت بشأنك، ولا تضيع فيهم بقية زمانك.