ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب.
أما الكفر: فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل الذي:
لا يثبت الإيمانُ إلا بموافقته.
ولا يلزم الكفرُ إلا بمخالفته.
وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر، وأنك لا ترى فِي نظرك إلا ما رأيت، وكل ما رأيته حجة. وأي فرق بين من يقول: قلدني فِي مذهبي، وبين من يقول قلدني فِي مذهبي ودليلي جميعاً، وهل هذا إلا التناقض؟
الفصل الثالث: التكفير يقع على من يكذب الرسول صلى الله عليه وسلم
لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر، بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين.
فاعلم: أن شرح ذلك طويل، ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها، لتتخذ مطمح نظرك، وترعوي بسببها عن تكفير الفرق، وتطويل اللسان فِي أهل الإسلام، وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، صادقين بها، غير مناقضين لها.
فأقول:
الكفر: هو تكذيب الرسول، عليه الصلاة والسلام، فِي شيء مما جاء به.
والإيمان: تصديقه فِي جميع ما جاء به.
فاليهودي والنصراني: كافران؛ لتكذيبهما للرسول عليه الصلاة والسلام.
والبرهمي: كافر بالطريق الأولى؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين.
والدهري: كافر بالطريق الأولى، لأنه أنكر مع رسولنا المرسل، سائر الرسل.
وهذا لأن الكفر حكم شرعي: كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود فِي النار.
ومدركه شرعي، فيدرك:
إما بنص.
وإما بقياس على منصوص:
وقد وردت النصوص فِي اليهود والنصارى، والتحق بهم بالطريق الأولى:
البراهمة، والثنوية، والزنادقة، والدهرية.
وكلهم مشركون مكذبون للرسل. فكل كافر مكذب للرسل. وكل مكذب للرسل فهو كافر. فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة.
الفصل الرابع: للوجود خمسة مراتب