أسماع أترابه وهم يُقلِّدونه ويُحاكونه حتى تنذلقَ به ألسنتهم وتلينَ له حَناجرهم؛ فمن ثَمَّ يجري هذا بينَهم لفظًا موضوعًا لمعنى خاص أو شيء بعينِه، ولا شَكَّ عندنا أنَّ هذا النوع من التعبير ممَّا يُهدَى إليه الطفل إلهامًا وتوقيفًا لا اجتهادًا ولا مُواضعة.
فدربة أعْصاب السَّمع على أصواتٍ بعينها تشيرُ إلى أشياء أو تدلُّ على مَعانٍ، ولزوم الحاجة إلى الإشارة إلى هذه الأشياء أو الدلالة على هذه المعاني هي الدرجة الأولى في نَشْأة اللغة على ألسنة البشر.
فعلى هذا الأساس نرى أنَّ اللغة الأولى للإنسان كانت قليلةَ الحروف بسيطة التركيب، مصحوبةً بالإشارة للدلالة على الشيء الذي أُرسِل عليه اللفظ، فما أرادت حاجةُ الاجتماع أنْ تمدَّ من هذه اللغة وتبسط، انتقصت من الحاجة إلى الإشارة واستبدَلت مَكانها تخالُف الأصوات على الحرف الواحد بانفِراج الفم وزمِّ الشفتين وفتحهما ومدهما وتحريك اللسان وتقليبه وموقعه من الأسنان، فلمَّا أحدث الاجتماع حاجةً إلى المد والبسط أكثر من ذي قبلُ، كانت قد نشَأتْ في الألسنة مُرونةٌ تأتَّتْ لها من كثرة تقليبها وتحريكها في الفم؛ فساعدت هذه المرونة على إنشاء حروف كثيرة مُتقاربة المخارج لا يميز بعضها من بعضٍ إلا الجرس في خَفائه ووُضوحه وموقع اللسان من الثَّنايا والأسنان وغار الفم.
ولعلَّ هذه الحروف الأولى التي لا نعرفُها ولا نعرف عددها [1] كانت هي الألفاظ التي يدلُّون بها على المعاني ويُومِئون بها إلى الأشياء، ثم تدرَّجَ ذلك على الأيَّام حتى رُكِّبَ الحرفان والثلاثة لأشياء حدَثَتْ ومَعانٍ وقفوا عليها وأرادوا التعبير عنها.
وهنا اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في نشأة اللغة على الألسنة الإنسانيَّة، فرموا الحجَّة بالحجَّة، واستفتَحُوا أبوابًا من الجدل في أمرِها؛ توقيفٌ هي أم اصطلاح، فذهبت بهم ألسنتُهم مذاهب تستقيمُ تارةً وتلتوي أخرى، وانتهوا إلى مَجاهِل من القول لا يهتَدِي فيها دليلٌ.
وما خرَجُوا منها إلا بالقوَّة على الجدل، والقُدرة على تشقيق الكلام وترقيعه وتلفيقه.
والرأي عندنا أنَّ نشأة اللغة لا بُدَّ أن تُرَدَّ إلى ما تُرَدُّ إليه أصولُ العلوم الإنسانيَّة كلها من طبيعة النُّبوغ في فردٍ من الأفراد أو أفراد من الجماعة، ولا يفوتنَّك هنا أنَّ النُّبوغ إلهامٌ ولا شَكَّ، وأنَّ هناك معانيَ تتَساقَطُ على عقلٍ يُشرِقُ في ظَلام زمنِه بما سوغ من دِقَّةٍ في التركيب، ورقَّة في الإحساس، وقُدرة على التعبير، وأنَّ هذه المعاني لا يُجدِي في إيجادها استِجلاب ولا تحصيل ولا حشْد، ولا تحسبنَّ أنَّ النُّبوغ هذا لا يكون إلا في مَعاني الشعر أو آراء الفلسفة أو أحكام العلوم، بل النُّبوغ إشراقٌ في الإنسانيَّة يُوضِّح لها ما لم يكن واضحًا، ويهديها إلى ما كانت عنه من ضَلالٍ مُبِين، فالاهتداء إلى لفظٍ واحد جديد للتعبير عن شيءٍ كان مهملًا لا لفظَ في طفولة الإنسانيَّة؛ كالاهتداء إلى سِرِّ سقوط الأشياء من أعلى إلى أسفل بالجاذبيَّة في عصر شَباب العلم.
فآدم النَّوابغ حين كان في الأرض ورأى وأحسَّ وفكَّر، أشرقتْ عليه معانٍ بقَدرِها، وأُلْهِمَ التعبير عنها بما يُسِّرَ له، فنطَق باللفظِ المبتدأ المرتَجَل الذي أُلقِي إليه إلهامًا لا اجتِهادًا واعتِمالًا، وحمل هذا اللفظ قوَّة مُستبدَّة من رُوح النابغة إلى مَن سمع منه وأشرق نُبوغه على الشيء الذي يبتغون التعبيرَ عنه، فلزمهم تقليدُه وانصاعوا؛ فنطقوا بما نطَق به محاكاةً لا إرادةَ فيها إلا قليلًا.
فاللغة على ذلك إلهامُ فردٍ مُرهفِ الحسِّ، مُشرِق العقل، دقيقِ التركيب، قويِّ الروح، مهيَّأٍ للتأثير في غيره تأثيرًا كبيرًا، وكأنَّ هذا النابغة حين ينطقُ بما أُلقي في روعه من اللفظ المعبِّر عن الشيء أو عن المعنى المقصود يُوحِي إلى سامِعِيه استعمال هذا اللفظ؛ فيَنقادون غريزةً وضَرُورةً إلى مُجاراته ومُحاكاته طائعين [2] ، وأنت ترى الشاعر الكبير حين يُعبِّرُ عن شيءٍ الناسُ يحتاجون إلى التعبير عنه، ويكون تعبيره هذا قويًّا جَذَّابًا مُستحكمًا، لا يلبث أنْ يَعلَقَ هذا التعبير بذهن كلِّ مَن قرأه ثم يجري على الألسنة اقتِدارًا حتى يذيع ويُصبِح بمكانٍ من اللغة مُشرفًا واضِحًا زمنًا يطولُ أو يقصرُ، ولا يحد أهل العصر على ذلك مندوحةً من إرساله في
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)