ومثل ذلك: النصوص النبوية التي جاءت في باب الأسماء والصفات؛ كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"؛ فيؤمن المؤمن بهذه الأسماء، وليس المقصود منها الحصر -أيضًا-، وإنما لله أسماء حسنى استأثر بعلمها؛ كما في الدعاء المأثور:"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"الحديث.
ودلالتها على الصفات ظاهرة؛ لذا قال -رحمه الله-:
وَجَمِيعُ آيَاتِ الصِّفَاتِ أُمِرُّهَا /// حَقًّا كَمَا نَقَلَ الطِّرَازُ الأَوَّلُ
أي: من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتبعهم على ذلك أئمة العلم من التابعين وأبناء التابعين -من القرون المفضلة-، ومشى على هذا الدرب أتباع الطائفة الناجية المنصورة.
والمراد بـ (الطراز الأول) : أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأهل القرون المفضلة.
وَأَرُدُّ عُهْدََتَهَا إِلَى نُقَّالِهَا /// وَأَصُونُهَا عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ
(وَأَرُدُّ عُهْدََتَهَا) : أي جميع نصوص الصفات. (إِلَى نُقَّالِهَا) يعني: إلى من نقلوا نصوص الصفات؛ لأن الدِّين أُخذ من الثقاتِ عن الثقات -كتاب الله، وسُنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فالثقات رواياتهم مقبولة، وعلومهم منقولة، وهم أهل الصواب.
ويجب صيانتها من التحريف والتأويل الباطل، والتعطيل، كما يجب -أيضًا- صيانتها عما يتخيله أهل الباطل من أهل البدع والضلال ممن ضلوا في هذا الباب.
ثم قال:
قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ الْكِتَابَ وَرَاءَهُ /// وَإِذَا اسْتَدَلَّ يَقُولُ قَالَ الأَخْطَلُ
هذا دعاء على مَن يترك في الاستدلال -سواء في هذا الباب: باب الأسماء والصفات، أو غيره- يترك الاستدلال بما قال الله، وقال رسوله، ويعمد إلى أقوال الرجال.
وفي قوله: (قَالَ الأَخْطَلُ) : يشير إلى الذين حرَّفوا صفة الاستواء، فسَّروا الاستواء -وهم الأشاعرة فمَن فوقهم من المعتزلة والجهمية- فسَّروا الاستواء بالاستيلاء. أما الجهمية؛ فنفت الصفة نفيًا باتًّا، والمعتزلة -كذلك- نفوا الصفات، والأشاعرة هم الذين أوَّلوا تأويلًا باطلًا، فقالوا في صفة الاستواء: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] أي: استولى. واستدلوا على هذا التفسير الخاطئ بقول الأخطل النصراني:
بِشرٌ قد استوى على العراق .. من غير سيف أو دم مِهراق
لذا أشار إلى هذا البيت الإمام ابن تيمية -رحمه الله-، وخطَّأ من تمسكوا به، واستدلوا على أن الاستواء يفسَّر بالاستيلاء وعلى ذلك كلام العرب! والأخطل النصراني ليس من العرب، وليس ممن يُعتد بعربيَّتهم، قالوا: يفسَّر الاستواء بالاستيلاء بدليل قول الشاعر: (بِشرٌ قد استوى على العراق) أي: استولى!
وتركوا تفسير السلف الصالح وأتباعهم الذين هم أولى بفهم نصوص الكتاب والسُّنة، وأولى بفهم أبواب العلم لا سيما هذا الباب العظيم الذي هو أصل الدين وقاعدته.
[فرغتُه من مادة صوتية موجودة في موقع الدعوة السلفية بصامطة - قسم صوتيات الشيخ زيد المدخلي -حفظه الله-] .