والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يتهيَّأ للعَشر الأوَاخِر من رَمضان ما لا يتهيَّأ لغيره؛ فعَن عائِشَة -رضيَ اللهُ عنهَا-كما في «الصَّحيحَيْن» - قالَت: (كان النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- إذ دخلَ العشرُ؛ شَدَّ مِئزَرَهُ، وأحيا ليلَهُ، وأيقظَ أهلَهُ) ، يعني أنه يعتزل نساءه ويبتعد عما أحل الله له من ذلِك -ليس للتحريم وإلا النَّص القُرآني واضح: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] -؛ ولكن مِن باب الإقبال والتعظيم لهذه الأيَّام المبارَكة.
أما علاماتُها:
فعَن أُبَيِّ بن كعب -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «صبيحة لَيلة القَدْر تطلع الشَّمس لا شُعاعَ لها، كأنها طَسْتٌ حتى تَرتفِع» ، الطَّستُ: هو الإناء الذي يُغسَل فيه أو يُعجَن فيه، وهو دائري. يعني: أن دائرة الشَّمس وقُطرَها يكون واضحًا جدًّا وظاهرًا جدًّا حتى الشُّعاع لا يكون موجودًا عند أوَّل ظُهورِها.
وعن أبي هُرَيرَة قَالَ: تذاكرنا لَيلة القَدْر عند رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- فقَالَ: «أيُّكُم يَذكُرُ حين طَلَعَ القَمرُ وهو مِثلُ شِقِّ جَفْنَةٍ» (شِقِّ جَفْنَةٍ) ؛ (الجفنة) : هي القَصعةُ والوعاء الصَغير -أيضًا-، و (الشِّق) : النِّصف. يعني: لا يكون القمرُ بهذا الوصف إلا في الأوَاخِر من الشَّهر القَمَري، لا يكونُ القمرُ تامًّا بدرًا -بطبيعة الحال- فهذا لا يكون إلا في وسط الشَّهر؛ ولكن: يبدأ ينحسر حتى يصبح كالنِّصفِ؛ أو كالشِّقِّ -حتى ليس نصفًا-، كالشِّق؛ يعني: هو أقرب ما يكونُ إلى الهلال.
وأيضًا: ورد عن ابن عبَّاس -رضيَ اللهُ عنهُ-كما في «صحيح ابن خُزيمَة» - أنه قَالَ: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «لَيلة القَدْر لَيلةٌ سَمْحةٌ» ؛ يعني: رَطْبة، «طَلِقَةٌ» ؛ يعني: الجو فيها لطيف، «لا حارَّة ولا باردة، تصبحُ الشَّمس صبيحتَها ضعيفةً حمراء» كما في الحَديثِ الآخر: وهو أنها لا شُعاع لها، وأن قُرصَها ساطع وظاهر وواضِح.
قد يقول قائل أو يسأل سائل:
«لا حارَّة ولا باردة» ؛ هُنالِك بلاد باردة جدًّا، وهُنالِك بلاد حارَّة جدًّا، وهُنالِك بلاد متوسِّطة؟
نقول: الأمر -هُنا- نسبِيٌّ؛ فما تُعامَلُ به البلادُ الحارَّة من التَّوسُّط؛ يكون هو الحُكمُ في مِثل هذا الوَصفِ، وكذلِك البلاد البارِدة، وكذلِك البلاد المتوسطة؛ كلٌّ بِحسَبِها.
الاعتِكاف:
الاعتكاف -أيضًا- سُنَّةٌ مِن سُنَن رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- الَّتِي فعلها في رَمضان.
وذكر الإِمام ابنُ القيِّم في «زاد المعاد» أن مقصودَ الاعتكاف ورُوحَه: (عُكوفُ القَلب على الله -تعالى-، واجتِماعُه عليه، والخلوةُ به، والانقطاع عن الاشتِغال بالخلقِ) ؛ هذه حِكمة الاعتكاف؛ لا أن نعتكفَ ثم نُضيِّع اعتكافَنا بالسَّمر والسَّهر والقول بغير فائدة!!
الاعتِكاف: هو العُكوفُ والإقبال. الاعتكاف: هو الانقطاع.
فبعض النَّاس يقضون نِصف الاعتكاف وهم يَشترون -مِن الأسواق- الطَّعام والشَّراب، ويَقضُون ليلة الاعتكاف -أو ليالي الاعتكاف- بِكلامٍ -وإن كان مُباحًا- لكنَّ المقام أعظَم مِن أن يُشتَغَل به في هذا الأمر.
والرَّسُول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كما في حديث أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ-والحَديثِ في «صحيح البخاري» - قَالَ: (كان رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يَعتكف في كل رَمضان عشرة أيَّام، فلما كان العام الذي قُبض فيه؛ اعتَكف عِشرين يومًا) ، وهذا من إِلهامِ الله -عزَّ وجلَّ- له، كأنَّهاوداع لهذه السُّنَّة الَّتِي يُقصِّر فيها كَثِير من النَّاس.
مع التَّنبيه: إلى أن الاعتكاف يكون جائزًا في السَّنَةِ -كلِّها-.
ومِن شَرط الاعتِكاف: أنه لا يكون إلا في المساجد.
وقد اختلف أهل العِلم: هل هو في أي مسجد؟ هل هو في مسجِد جماعة؟ هل هو في أحَدِ المساجد الثَّلاثة؟ يَذهب بعض أهلِ العِلمِ إلى هذا التَّخصيص لقوله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «لا اعتكافَ إلا في المساجِدِ الثَّلاثة» وهو حديثٌ صحَّحه الإِمام الذَّهبِي -رَحِمهُ اللهُ-تَعالَى-.
أمَّا صلاة التَّراويح -وبها نختم-:
فهي من سُنَن رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- الَّتِي فعلها وحضَّ عَليهِا بقولِه، وأقرَّها بِسُكوته الشَّريف -صلى الله عَليهِ وسلَّم-، وقد فعلها أيَّامًا، ثم تركها، فلما استقرَّ الأمرُ في عهد عُمر بنِ الخطَّاب -رضيَ اللهُ عنهُ- أحيا ما كان قد تَرَكَه رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، ولا يُقال في هذا الإحياء إنَّه إحداثٌ في الدِّين؛ كيف يكون إحداثًا في الدِّين شيء فَعَلَه رسول الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- وحضَّ عَليهِ بقوله، وأقره بِتقريرِه الشَّريف -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، وخيرُ الهدي هديُ محمَّد -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-؛ فقد قَالَت عائِشَة -رضيَ اللهُ عنهَا-وهذا فيما يتعلَّق بِعدَدِ رَكعات التَّراويح- قَالَت: (ما كان رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يَزيدُ في رَمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة) ، قَالَ الحافظُ ابن حجر: (وهي أعلم النَّاس به -رضيَ اللهُ عنهَا- بِصلاتِه في ليلِه، في نهارِه، في نافِلتِه، في فريضته) .
أسأل الله لي ولكم التَّوفيق والسَّداد والهُدى والرَّشاد، وأن يُعيدَ عَلينا وعليكم هذا الشَّهرَ الكريم بِمَنِّه وقُوَّتِه وفَضلِه، ونحن على عافيةٍ ودِيانةٍ وطاعة واستِقامةٍ؛ إنَّه -سُبحانَهُ- وليُّ ذلِك والقادر عَليهِ.
والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه
وتقبَّل الله منَّا ومنكُم الصِّيام والقِيام.
وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.
من هنا لسماع الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة (http://www.ballighofiles.com/umzayd/fiqh-siyam-halabi-15.mp3)
(الحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات)