فهرس الكتاب

الصفحة 4755 من 12621

ـ [ (أبو إبراهيم) ] ــــــــ [22 - 02 - 2012, 09:53 م] ـ

،،، أوَّلًا: أَشكرُ أَخانا (الحريريَّ) على ما أبدَاهُ مِن غيرَةٍ للهِ تَعالَى ولِدينِه.

،،، ثانيًا: لَيسَ كلُّ مَن نَسبَ شَيئًا مِن الشَّرِّ إلى الدَّهرِ كانَ سابًّا لهُ، فإنَّ الكَلامَ في مِثلِ هذا أقسامٌ، مِنهُ ما هو جائِزٌ صَحيحٌ، ومِنهُ ما هُو مُكفِّرٌ ومِنهُ ما هُو مُفَسِّقٌ غيرُ مُكفِّرٍ.

قالَ الشَّيخُ العلَّامةُ ابنُ عُثيمِين رَحمهُ الله تعالَى في (القَول المفيدِ شَرح كِتابِ التَّوحيدِ: 2/ 167) :

«وسبُّ الدَّهرِ يَنقسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

الأوَّلُ: أن يَقصِدَ الخبرَ المحضَ دُونَ اللَّومِ، فهَذا جائزٌ، مِثلَ أن يَقولَ: تَعِبنا مِن شِدَّةِ حرِّ هذا اليومِ أو بَردِه، وما أشبَهَ ذلك، لأنَّ الأَعمالَ بِالنِّيَّاتِ، ومِثلُ هذا اللَّفظِ صَالحٌ لمجرَّدِ الخبَرِ، ومِنه قولُ لُوطٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) )- سورة هود / الآية: 77 -.

الثَّاني: أن يَسُبَّ الدَّهرَ على أنَّه هو الفاعلُ،، كأن يَعتَقِدَ بسَبِّه الدَّهرَ أنَّ الدَّهرَ هو الَّذي يُقلِّبُ الأمورَ إلى الخيرِ والشَّرِّ، فهذا شِركٌ أكبرٌ لأنَّه اعتَقدَ أنَّ مع الله خَالِقًا؛ لأنَّه نَسبَ الحوادِثَ إلى غَيرِ الله، وكلُّ مَن اعتقَدَ أنَّ معَ اللهِ خالِقًا فهو كافرٌ، كما أنَّ من اعتقَدَ أنَّ معَ الله إلهًا يستحِقُّ أن يُعبدَ، فإنَّه كافرٌ.

الثَّالِثُ: أن يَسُبَّ الدَّهر لَا لِاعتِقادِ أنَّه هو الفاعِلُ، بل يَعتقِدُ أنَّ الله هو الفاعِلُ، لكن يَسبُّه لأنَّه محلٌّ لهذا الأمرِ المكروهِ عندَه، فهذا مُحرَّمٌ، ولا يَصِلُ إلى دَرجةِ الشِّركِ، وهو مِن السَّفهِ في العَقْلِ والضَّلالِ في الدِّين، لأنَّ حقيقةَ سبِّه تعودُ إلى الله سُبحانَه، لأنَّ الله تعالى هو الَّذي يُصرِّفُ الدَّهر ويكونُ فيه ما أرادَ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، فليسَ الدَّهرُ فاعِلًا، وليسَ السَّبُّ يُكفِّر، لأنَّه لم يَسُبَّ الله تعالى مُباشرةً» اهـ

،،، ثَالِثًا: البيتُ المذكورُ لا أراهُ - بحَسبِ فَهمِيَ القاصرِ - داخلًا في سَبِّ الدَّهرِ، لأنَّ مَقصودَ الشَّاعرِ فيه واضحٌ، (زَعزَعنِي الدَّهرُ) أي: زَعْزَعَتْني وهَزَّتْني نَوائِبُ الدَّهرِ وحَوادِثُه، وليسَ في هذا المعنَى مَحظُورٌ، إذ الظَّاهرُ أنَّه لم يَقصِدْ نِسبةَ الفِعْلِ إلى الدَّهرِ، واللهُ تعالَى أَعلَمُ.

،،، رابِعًا: جَزى اللهُ أُختَنا (عَائِشةَ) على هذا النَّقلِ الَّذي أفادَتْنا به في المسألةِ، لكنَّ هذا المنقولَ إِن صَدقَ على شِعْرِ الباروديِّ، فَليسَ يَصدُقُ على شِعْرِ كُلِّ شاعرٍ، فإنَّ مِن الشِّعرِ ما فيهِ سَبٌّ لِلدَّهرِ لَا يُمكِنُ تَأويلُه وحَملُه على وَجهٍ صَحيحٍ، والشُّعراءُ كما وَصفَهُم الله عزَّ وجلَّ (( يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا ) )- آخِرُ سُورَةِ الشُّعراءِ -.

واللهُ تعالَى أعلَمُ.

ـ [الحريري] ــــــــ [27 - 02 - 2012, 07:23 ص] ـ

قالَ الشَّاعِرُ محمود سامي الباروديُّ -رحمه الله- في مقدِّمة ديوانِهِ:

(وقد يَقِفُ النَّاظِرُ في ديواني هذا عَلَى أبياتٍ قُلْتُها في شَكْوَى الزَّمانِ، فيظنُّ بي سُوءًا، مِنْ غَيرِ رَوِيَّةٍ يُجِيلُها، ولا عِذْرَةٍ يَسْتَبِينُها، فإنِّي إِنْ ذَكَرْتُ الدَّهْرَ؛ فإنَّما أقصدُ به العالَم الأرضِيَّ؛ لكونِهِ فيه؛ مِن قَبِيلِ ذِكْرِ الشَّيءِ باسمِ غَيرِهِ لِمُجاورتِهِ إيَّاهُ؛ كقوله تعالَى:(( واسْأَلِ القَرْيَةَ ) )؛ أي: أهلَ القريةِ، وكما قالَ أبو كبيرٍ عامِرُ بنُ حُلَيْسٍ الهُذَلِيُّ:

عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بَيْنِي وبَيْنَهَا ... فَلَمَّا انقَضَى ما بَيْنَنَا سَكَنَ الدَّهْرُ

فإنَّه أرادَ بِسَعْيِ الدَّهْرِ: سَعْيَ أَهْلِ الدَّهْرِ بالنَّمائمِ، والوِشاياتِ، فلمَّا انقضَى ما كان بينهما من الوَصْلِ؛ سَكَنوا، وتركوا السِّعايةَ. ولهذا أمثلةٌ كثيرةٌ) انتهى.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت