فَمَا رَأَتْ مِثْلَهُ فِي وُدِّهِ طَرِبَا == وَلاَ رَأَتْ مِثْلَهُ فِي الحَقِّ إِنْ غَضِبَا
وَسَلْ مُعَاشِرَهُ عَنْ خَشْيَةٍ وَتُقًى == كَمْ أَرْسَلَتْ دَمْعَهُ فِي اللَّيْلِ مُنْتَصِبَا
يَأْبَى المُبَاحَ وَيَأْبَى المَدْحَ عَنْ وَرَعٍ == وَيَسْتَعِيذُ بِرَبِّ العَرْشِ مُرْتَقِبَا
وَكَمْ رَأَى الصَّالِحُونَ الغُرُّ فِيهِ رُؤًى == مِنْ عَاجِلِ البِشْرِ قَدْ جَاءَتْهُ فَاكْتَرَبَا (16)
أَنْ قِيلَ إِنَّكَ تَقْفُو المُصْطَفَى فَبَكَى == وَاسْتَوْكَفَ (17) العَبَرَاتِ الحُمْرَ وَانْتَحَبَا (18)
سَبْعُونَ عَامًا مِنَ الأَزْمَانِ أَسْكَنَهَا == بَيْنَ الأَحَادِيثِ يَا بُشْرَاهُ مَا اكتَسَبَا
سَبْعُونَ عَامًا مُحَيَّاهُ يُنَضَّرُ فِي == سَرْدِ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ مُحْتَسِبَا
مَا كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَحْظَى بِجَائِزَةٍ == لِذَاكَ لمَاَّ أَتَتْهُ أَشْرَقَتْ طَرَبَا
سَبْعُونَ عَامًا يَذُبُّ الرَّيْبَ عَنْ سُنَنٍ == إِنْ يَبْدُ مُبْتَدِعٌ أَوْ ذُو هَوَى نَعَبَا (19)
يُسْتَنْفَرْ الشَّيْخُ مَنْصُورًا بِحُجَّتِهِ == حَتَّى كَأَنَّ لَهُ مِنْ رَبِّهِ شُهُبَا
فَيُبْطِلُ البِدَعَ السَّوْدَا وَيُزْهِقُهَا == وَلاَ تُصِيبُ دَمًا مِنْهُ وَلاَ سَلَبًا
يَدْعُو إِلَى دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ مُنْتَبِذًا == أَوْ حَالَ شِرْكٍ إِذَا المَطْلُوبُ قَدْ طُلِبَا
أَعْلى لأَهْلِ الحَدِيثِ رَايَةً حُجِبَتْ == دَهْرًا فَكَشَّفَ عَنْهَا السِّتْرَ وَالحُجُبَا
أَعْلى بِهِ اللهُ قَوْلَ الحَقِّ فِي زَمَنٍ == يَسْطُو بِغُرْبَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ الغُرَبَا
دَوَّى بِهِ (20) سَلَفِيَّ النَّهْجِ مُتَّبِعًا == هَدْيَ الرَّسُولِ وَمَنْ لِلْمُصْطَفَى صَحِبَا
صَفَّى وَرَبَّى وَقَدْ أَبَّتْ أَبَابَتُهُ (21) == عَلَى الوُضُوحِ فَمَا اشْرَوْرَى (22) وَلاَ انْتَقَبَا (23)
وَأَيْقَظَ الأُمَّةَ السَّكْرَى بِأَجْوِبَةٍ == مِنْ مُحْكَمِ الذِّكْرِ يُبْدِي الفِقْهَ وَالأَدَبَا
وَصَارَ لِلسُّنَّةِ الغَرَّاءِ مَدْرَسَةً == قَدْ جَدَّدَتْ بِالحَدِيثِ العُجْمَ وَالعَرَبَا
للهِ دَرُّكَ يَا شَيْخَ الشُّيُوخِ وَيَا == عَلاَّمَةَ العَصْرِ يَا نِبْرَاسَ (24) مَنْ سَرَبَا (25)
مَا زَالَ صَوْتُكَ فِي أُذْنَيَّ يَأْسِرُنِي == وَنُورُ وَجْهِكَ عَنْ عَيْنَيَّ مَا غَرَبَا
لاَ لاَ تَلُمْنِي أَخِي إِنْ قُلْتُ قَدْ جُمِعَتْ == فِيهِ الخِصَالُ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ العَجَبَا
مِنِ ابْنِ حَنْبَلَ نَالَ الصَّبْرَ مُمْتَحَنَا == إِذْ ظَلَّ يُطْرَدُ فِي البُلْدَانِ مُغْتَرِبَا
وَنَالَهُ اللُّؤَمَا الأَوْغَادُ عَنْ حسَدٍ == بِالطَّعْنِ وَالتُّهَمِ الشَّوْهَا فَمَا اعْتَتَبَا (26)
فَعَادَ جُنْدُ الهَوَى بِالخُسْرِ مُنْهَزِمًا == وَعَادَ شَيْخُ الهُدَى بِالنَّصْرِ قَدْ غَلَبَا
وَمِ (27) البُخَارِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَتَى == عَرْشَ الخِلاَفَةِ فِي التَّحْدِيثِ وَانْتَصَبَا
وَكَانَ كَابْنِ المَدِينِي كَاشِفًا عِلَلًا == تُعْيِي الأَلِبَّا وَمَنْ فِي الفَنِّ قَدْ أَرِبَا (28)
وَمَنْ يُطَالِعْ بِمَحْضِ العَدْلِ مَا كَتَبَتْ == يُمْنَاهُ يَلْقَاهُ نَقَّادًا وَمُنْتَخِبَا
فَكُلُّ خَافِيَةٍ عَنْ شَمْسِهِ اتَّضَحَتْ == وَكُلُّ مُبْتَعِدِ المَعْنَى بِهِ اقْتَرَبَا
سَلْ عَنْهُ مَكْتَبَةً بَلْ مَكْتَبَاتِ هُدًى == تَرَبَّعَ الشَّيْخُ فِي أَرْجَائِهَا وَرَبَا
مَا كَانَ يَسْأَمُ مِنْ عَيْشٍ بِهَا أَبَدَا == وَكَانَ يَهْجُرُ فِيهَا الصَّحْبَ وَالعِنَبَا
وَلاَ يُفَارِقُهَا حِرْصًا عَلَى زَمَنٍ == حَتَّى يُطَالِعَ مِنْهَا الدِّقَّ وَالسَّهَبَا (29)
فَيَفْصِمُ اللُّؤْلُؤَ المَكْنُونَ عَنْ زَبَدٍ == وَيُطْعِمُ العَسَلَ المَعْسُولَ وَالرُّطَبَا
فَأَتْحَفَ الكَوْنَ بِالإِرْوَاءِ أَرْسَلَهُ == كَالجَارِيَاتِ بِيُسْرٍ تَمْحَقُ الجَدَبَا
وَرَصَّعَ الجِيدَ عَنْ عَطْلٍ (30) بِسِلْسِلَةٍ == كَالتَّالِيَاتِ لِذِكْرٍ تَدْرَأُ الكَذِبَا
وَكَمْ مِنَ الكُتُبِ الغَرَّا أَفَادَ بِهَا == تَرْوِي الصَّحِيحَ وَتَنْفِي الزُّورَ وَالشَّغَبَا
وَكَمْ تَحَاكَمَ أَقْوَامٌ إِلَيْهِ فَمَا == نَادَوْهُ إِلاَّ وَأَنْهَى الرَّيْبَ وَالصَّخَبَا
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)