فهرس الكتاب

الصفحة 4741 من 12621

وقال إبراهيم الألبيري الأندلسي:

وَما يُغنيكَ تَشيِيدُ المَباني ... إِذا بِالجَهلِ نَفسَكَ قَد هَدَمتا

جَعَلتَ المالَ فَوقَ العِلمِ جَهلًا ... لَعَمرُكَ في القَضيَّةِ ماعَدَلتا

لَئِن رَفَعَ الغَنيُّ لِواءَ مالٍ ... لَأَنتَ لِواءَ عِلمِكَ قَد رَفَعتا

وَإِن جَلَسَ الغَنيُّ عَلى الحَشايا ... لَأَنتَ عَلى الكَواكِبِ قَد جَلَستا

وَمَهما افتَضَّ أَبكارَ الغَواني ... فَكَم بِكرٍ مِنَ الحِكَمِ افتَضَضتا

وقال أبو الأسود الدؤلي:

العِلمُ زَينٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ ... فاطلُبْ هُدِيتَ فُنُونَ العِلمِْ وَالأَدَبا

كَمْ سَيِّدٍ بَطَلٍ آبَاؤُهُ نُجُبٌ ... كَانوا الرُؤوسَ فَأَمْسَى بَعدَهُم ذَنَبَا

وَمُقرِفٍ خامِلِ الآبَاءِ ذِي أَدَبٍ ... نَال المَعَاليَ بِالآدابِ وَالرُتبَا

الْعِلْم زَيْنٌ وَذُخْرٌ لا فَنَاءَ لَهُ ... نِعْمَ القَرينُ إِذَا مَا صَاحِبٌ صَحِبَا

قَدْ يَجْمَعُ المَرْءُ مَالًا ثُمَّ يُحْرَمُهُ ... عَمَّا قَلِيلٍ فَيَلْقَى الذُّلَّ وَالْحَربَا

وَجَامِعُ الْعِلْمِ مَغْبُوطٌ بِهِ أَبَدًا ... فَلا يُحَاذِرُ مِنْهُ الْفَوْتَ وَالسَّلبَا

يَا جَامِعَ العِلْمِ نِعْمَ الذُّخْرُ تَجمَعُهُ ... لا تَعْدِلَنَّ بِهِ دُرًَّا وَلا ذَهَبَا

وكان العلم متكئًا فجلس وقال: خلاصة الأمر أنَّ العلم هو أساس الفضائل، ومنبع الكمالات، وبالحض عليه جاءت الرسالات، والمال وسيلة من الوسائل فإن استُعمِلَ في الخير فهو خير على صاحبه، وإن استعمل في الشر فهو وبال وخسران عليه.

وعلينا أن نجعل من العلم والمال مجتمعَيْن أداةً لبناء الحضارات، وتشييد المنارات، وفعل الخيرات وإزالة المنكرات .. فيكون كلٌّ من العلم والمال يصبُّ في مصلحة الآخر ويكمِّله، ولا يعارضه أو يعطِّله.

قال حافظ إبراهيم:

وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِرهُ مُحَصَّنًا ... بِالعِلمِ كانَ نِهايَةَ الإِملاقِ

وَالعِلمُ إِن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ ... تُعليهِ كانَ مَطِيَّةَ الإِخفاقِ

لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ... ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ

وعدم وجود المال قد يكون مانعًا للإنسان من بعض الفضائل، كما قال عبد الله بن معاوية:

أرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... يقصر دون مبلغهنَّ مالي

فلا نفسي تطاوعني ببخلٍ ... ولا مالي يبلِّغني فِعَالي

وقال آخر:

إنَّ الكريمَ الذي لا مالَ في يدهِ ... مثل الشجاعِ الذي في كفِّه شللُ

والمالُ مثل الحصا ما دام في يدنا ... فليس ينفع إلَّا حين ينتقلُ

والمُلْك يقوم على العلم والمال، وكلٌّ منهما يحتاج الآخر، قال أحمد شوقي:

يا طالبًا لمعالي الملك مجتهدًا ... خذها من العلمِ أو خذها من المالِ

بالعلمِ والمالِ يبني الناس ملكهم ... لم يُبْنَ مُلْكٌ على جهلٍ وإقلالِ

وشتَّان بين العلم ميراث الأنبياء، وبين المال ميراث الملوك والأغنياء.

وشتان بين العلم الذي يحرس صاحبه، وبين صاحب المال الذي يحرس ماله.

وشتان بين العلم الذي يزداد بالبذل والعطاء، وبين المال الذي تذهبه النفقات.

وشتان بين العلم الذي يرافق صاحبه حتى في قبره، وبين المال الذي يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية.

وشتان بين المال الذي يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، وبين العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن.

والعالِم يحتاج إليه الملوك ومَنْ دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.

والمال يعبِّد صاحبه للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.

والعالم قَدْرُه وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله، قال بعضهم: (الولاية الوحيدة التي لا يملك أحدٌ أن يعزل صاحبها عنها هي: ولاية العلم) .

والغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.

فلم يكن من المال بعد أن سمع ما سمع إلا أن يقبِّل رأسَ العلم وينصرف وهو يقول: حفظك الله وأدامَك أيُّها العِلْم، فقد كنتَ لي شُعَاعًا ينير دربي، ونَجْمًا هاديًا في ظُلَمات نفسي، وعقلًا يقيِّدني عن الرذائل ويحفظني من المهالك، ورُوحًا يبعث فيّ مِنَ الفضل والجمال والخير ما أرتقي به مِنْ أرض الجَهَالة إلى سماء المعرفة، ومن قُبْح الأثَرة إلى جمال الإيثار، ومن بُؤس الطين إلى السَّعادة في صراط ربِّ العالمين.

ومدحي هذا لن يرفعك شيئًا، فما أنتَ إلا كما قال المتنبي:

مَنْ كانَ فوقَ محلِّ الشمسِ موضعُهُ ... فليس يرفعه شيءٌ ولا يضعُ

وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.

عمر بن عبد المجيد البيانوني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت