وكانَ سبيلهم في ذلك أن جعلُوا الاسم علَى حرفينِ مضاهًى بهما الصوتُ نفسُه، ثمَّ كرَّروهما على ترتيبِهما مَنْبهةً على أنَّ من شأنِ الصوتِ أن يتكرَّرَ. ومثالُ ذلكَ كلمةُ (القهقهة) ، فإنَّهم وجدُوا الضاحكَ يصدُر منه لفظُ (قَهْ) مكرَّرًا، فسمَّوه بمثلِ لفظِه، وكرَّروه كما كانَ مكرَّرًا في الواقع، فقالوا: (قَهْقَهَ) .
وأمَّا الضربُ الثاني، فإنَّه قريبٌ من الأوَّل. وذلكَ أنهم حاكَوا به الصوتَ، واجتزءُوا بتَكرارِ الحرفِ الثاني عنِ الأوَّلِ. وذلكَ نحوُ (الأزيز) ، فإنَّه اسمٌ للصوتِ (أَزْ) . وتَكرارُ الزايِ دلالةٌ على تَكرارِ الصوتِ حينَ يقعُ. وفي الياء امتدادٌ، واستطالةٌ تناسِبُ الصوتَ أيضًا.
وأمَّا الضرب الثالث، فإنَّهم أخلُّوا فيه بمحاكاةِ الصوتِ، واكتفَوا ببِنائه على (فَعِيْل) ، و (فُعَال) ، وجعلُوا الياءَ، والألفَ في هاتين البِنيتين دليلًا على خصِيصةٍ من خصائصِ الأصواتِ، وهي الامتدادُ، والاستطالةُ.
فهذا بيانٌ لمذاهب العربِ ألحقنا به تفسيرًا له، وإيضاحًا.
= فأمَّا ما يجوزُ للمحدَثِ قياسُه منها، فالضربُ الأوَّل. وذلكَ أن يستمِع إلى الصوتِ، وينظُرَ إلى أيِّ الحروفِ هو أقربُ، ويجعلَه على حرفينِ، ويكرِّرَهما. فإذا استمعَ إلى صوتِ السيَّارةِ، ووجدَه قريبًا من حرفِ العينِ تتبعُه النونُ، فإنَّه يكرِّرُهما، ويجعلُهما على (فَعْلَل) ، فيقول: (عنعنتِ السيَّارة عنعنةً) . وهذا قياسٌ لا ينكسِرُ.
وإذا أمكنَه أن يُلحِقَ بعضَ الأصواتِ الحديثةِ ببعضِ الأصواتِ المسمَّاةِ قديمًا، ويسمِّيَها بمثلِ ما سُمِّيت به، فهو جائِزٌ. وذلكَ مثلُ أن يُلحِق صوتَ الطائِرة، أو الدبَّابةِ بأزيزِ المِرجلِ، فيسمِّيَه (أزيزًا) ، أو يُلحِقَ صوتَ المِكنَسة، أو الثلاجةِ بفحيحِ الأفعَى، أو صفيرِ الطائرِ، لتقاربِهما، فيسميَه (فحيحًا) ، أو (صفيرًا) . وهذه استِعارة لفظيَّة، أو غيرُ مفيدةٍ كما سمَّاها عبد القاهرِ في «أسرارِ البلاغة» . وهي في الأصلِ قَصْرٌ على السَّماعِ، ولكنْ جازَ قياسُها في هذه المسألة لموضعِ الحاجةِ.
ـ [أبو الأزهر] ــــــــ [27 - 11 - 2010, 11:27 م] ـ
وأمَّا الضربُ الثاني، فإنَّه قريبٌ من الأوَّل. وذلكَ أنهم حاكَوا به الصوتَ، واجتزءُوا بتَكرارِ الحرفِ الثاني عنِ الأوَّلِ. وذلكَ نحوُ (الأزيز) ، فإنَّه اسمٌ للصوتِ (أَزْ) . وتَكرارُ الراءِ دلالةٌ على تَكرارِ الصوتِ حينَ يقعُ. وفي الياء امتدادٌ، واستطالةٌ تناسِبُ الصوتَ أيضًا.
أستاذنا الفاضل لعلك تقصد تكرار الزاء لا الراء ?!
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [28 - 11 - 2010, 05:54 ص] ـ
هو كذلك يا أبا الأزهر.
أشكر لك نباهتَك.
ـ [أمجد الفلسطيني] ــــــــ [01 - 12 - 2010, 10:06 ص] ـ
بارك الله فيكم
ووصلكم بطاعته وقطعكم عن معصيته
وبعد:
عندي إشكالات على جواب الشيخ أبي قصي سلمه الله
وهي في التفريع والتطبيق لا في التأصيل والتنظير
فإذا استمعَ إلى صوتِ السيَّارةِ، ووجدَه قريبًا من حرفِ العينِ تتبعُه النونُ، فإذا استمعَ إلى صوتِ السيَّارةِ، ووجدَه قريبًا من حرفِ العينِ تتبعُه النونُ،
صوت السيارة_فيما أعلم وأسمع_ عند بداية تشغيلها هو التكتكة (تك تك) وفي أثناء سيرها يتشكل من حرف ال (v) عند الإنجليز
وإنما العنعنة من محاكاة الأطفال لصوت السيارة فلا أدري من أين دخل عليهم؟
،،، لم يظهر لي وجه شبه بين صوت الطائرة وأزيز المرجل وبين صوت المكنسة الكهربائية وفحيح الأفعى
وأظن أن الإلحاق يحتاج إلى نوع شبه
فما هو وجه الشبه الذي حملكم على الإلحاق؟
وأغلب صوت الأجهزة الحديثة التي تعتمد على المتور (المحرك أو المولد) تأخذ حرف (v) عند الإنجليز مع صوت نفخ وهواء
،،، بعضهم أطلق على صوت الطائرة: هدير فما رأيكم؟
،،، هل يمكن أن يطلق على صوت الطائرة والسيارة وأمثالها من المولدات: ضجيج
لأنه صوت غير مميز ومتداخل؟
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [09 - 12 - 2010, 06:16 م] ـ
الفاضل الكريم/ أمجد
لم أرِد بما ذكرتُ تحقيقَ العلاقةِ، وتمكينَ الشبَهِ بين أسماء الأصوات القديمة، وأسماء الأصوات الحديثة، وإنما أردتُّ التمثيلَ، والتقريبَ على جهةِ التقديرِ. ولذلك قلتُ: (فإذا استمعَ إلى صوتِ السيَّارةِ، ووجدَه قريبًا من حرفِ العينِ تتبعُه النونُ) ، فوكلتُ الأمرَ إلى السَّامعِ كما ترَى، فلكَ أن تُسلِّم بهذا، أو تدفَعَه.
علَى أنَّ العربَ لا تلتزِم التناسُب التامّ، والتماثلَ المطابِق بين الصوت، واللفظ، وإنما تنحو منحَى التقريبِ. وهذا مثلُ قولهم: (الزقزقة) لصوت الطائر، و (الجلجلة) لصوت الرعد. وكثيرٌ غيرُها. لا، بل هذا هو الغالبُ السائرُ، لأنَّ أصواتَ الأشياء غيرِ الإنسانِ لا مقاطعَ لها في الفمِ. فلمَّا أرادوا محاكاتَها ألحَقُوها بالحروفِ ذاتِ المقاطعِ.
وقد كانَ همِّي في هذا الذي كتبتُ بيانَ القياسِ في هذه المسألة، ودلالة السائل على قانونٍ مطَّرِد يغنيه أبدًا عن الاستفتاء عن كلِّ صوتٍ من الأصوات الحديثة التي لا حصرَ لها كما تعلمُ.
-وأما سؤالك عن الهدير، والضجيج، فنعم، يجوز أن تسميَ ما ذكرتَ بذلك. وأيًّا ما يكن، فالأمر فيه سَعةٌ، ومجالُه رحْب. وتطبيقُه على وجه الدقَّة يَحتاجُ إلى استقراء طويل، ونظَرٍ فاحصٍ. وذلك ما لا يحتمله هذا الموضعُ.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)