فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: {التَّائِبُونَ} [التوبة 112] فقد أوتيها محمد - صلى الله عليه وسلم - بل وكثير من أمَّته, فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» , وفي أمّته من يفعل ذلك وقريباً منه كثير, وقوله: {الْعَابِدُونَ} [التوبة 112] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لا تطاق, فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه, ويصوم حتى يُقال لا يفطر, وكنت لا تشاء أن تراه من الليل قائماً إلا رأيته, وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة, وكثير من أمَّته كان يُحيي الليل ويصوم النهار, وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل فنهاهم عن ذلك, وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفاً عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه, وكان كثيراً ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتاً دون وقتٍ خوفاً أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم, وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر, وقوله: {الْحَامِدُونَ} [التوبة 112] فقد كان محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم النَّاس حمداً لربِّه سبحانه, وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل, يقول العبد: الحمد لله رب العالمين, يقول الله: حمدني عبدي ... » (الحديث) .
فجعل الله هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمداً لله تعالى, هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر, ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم"الحمَّادون رُعاة الشمس"يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة زوال الشمس وتحلّقها وغروبها وغير ذلك, فمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته الحمَّادون الله على كل حال وفي كل نعمة, وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد؛ وقوله: