لحلاوة أي نوع حلاوة لكمال بلاغته وحسن انتظامه. أي حلاوة معنوية شبه الحلاوة
الحسية فيكون الحلاوة مسْتعَارَة لها، وبهذا يظهر وجه كونه علة لما لم يكن من كلام
الإنس والجن لطلاوة مثلث الطاء الرونق والحسن وكل منهما داع إلَى القبول فضلًا عن
اجتماعهما اختار هنا لفظة (عَلَى) تنبيهًا عَلَى أن الرونق استعلى عليه وفيه بيان مبالغته في
ذلك وفي الأول اختار اللام ليفيد الاخْتصَاص ولو عكس أو اخْتيرَ عَلَى أو اللام فيهما
لكان له وجه.
قوله: (وإن أعلاه لمثمر) يعني به النظم الكريم عَلَى تشبيهه بما عَلَى الرياض
والأشجار من الأوراق والأثمار في الطراوة والنضارة وميلان النفوس إليه.
قوله: (وإن أسفله لمغدق) أي إشارته العلية وهو الْمُرَاد بالبطن في الخبر اللطيف إن
لكل آية ظهرًا وبطنًا فالْمُرَاد بأعلاه ظاهره ولو عكس لا يضر المقصود؛ إذ الْمُرَاد الأعلى
والأسفل المعنويين. قوله لمغدق أي ذا غدق أي ماء كثير خصه بالذكر لأنه سبب المعاش
والسعة وعزة وجوده عند الرب، وهذا إفراط في المدح كاد أن يكون مؤمنًا به لكن سبقه
الشقاوة وغلبه الغواية وحرم من السعادة.
قوله: (وإنه ليعلو ولا يعلى) لا يعلو عَلَى كل كلام منثور أو منظوم لكونه في ذروة
العلياء من البلاغة ولانطوائه الحكم الاعتقادية والعلمية، ولا يعلى لما ذكرنا ذكره مع انفهامه
للتنبيه عَلَى أنه عالٍ عَلَى كل كلام مُطْلَقًا كما يشعر به حذف مَفْعُوله، ويحتمل أن يكون
اسْتعَارَة تمثيلية بتشبيه الْقُرْآن بالرياض.
قوله: (فقالت قريش صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل أنا أكفيكموه) صبأ بالهمزة
ومعناه خرج من دينه إلَى آخر. أنا أكفيكموه تقديم المسند إليه للحصر والخطاب [لقريش]
القائلين له صبأ الوليد والضَّمير الغائب للوليد. وحاصله أنا أرده وأمنعه عن ميله إلَى اتباع
الْقُرْآن كما يشعر به الإغراق في الثناء عليه [فخافت] قريش أن يؤمن بالْقُرْآن ويؤمن بسبب
إيمانه جم غفير من قريش.
قوله: (فقعد إليه حزينًا وكلمه بما أحماه فناداهم فقال: تزعمون أن مُحَمَّدًا
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) استعار الوليد الشجرة للقرآن
على الاسْتعَارَة التمثيلية والمكنية فجعل له [الأعلى الذي] هُوَ الفرع ورشحه بقوله لمثمر وأنت
له الأسفل الذي هُوَ الأصل ورشحه بقوله [لمغدق] تَرْشيح وكنى بقوله لمغدق عن كونها ثابتا
أصلها ريان فرعها وتمم معنى ترشيح المثمر بقوله لحلاوة وتمم المغدق بقوله لطلاوة. فقوله إن
له لحلاوة وإن عليه لطلاوة لتمهيد الاسْتعَارَة وتَرْشيحها، وقوله وإنه يعلو ولا يعلى كالخاتمة
للمجموع والزبدة والغاية.
قوله: صبأ الوليد. يقال صبأ فلان إذا خرج من دين إلَى دين غيره، وكانوا يسمون من يدخل
في الْإسْلَام مصبوًا لأنهم كانوا لا يهموون فأبدلوا من الهمزة واوًا ويسمون الْمُسْلمينَ الصباة بغير
همز كأنه جمع الصابي غير مهموز كقاضٍ وقضاة وغاز وغزاة.