وقال الكلبي: كان الوليد بن المغيرة قال لرؤساء مكة: إن الناس مجتمعون بالموسم غدًا، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، وهم سائلوكم عنه، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نقول: إنه مجنون، قال لهم: إذًا يخاطبونه فيعلمون أنه غير مجنون، قالوا: فنقول: إنه شاعر. قال: هم العرب يعلمون الشعر، ويعلمون أن ما أتى به ليس بشعر. قالوا: فنقول: إنه كاهن. قال: إنهم قد لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهانة فيكذبونكم، ثم انصرف إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد، فقال ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه محزونًا، فقال: مالك يا ابن أخي؟ فقال: إنك قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه، وهذه قريش تجمع لك مالاً لتكون عوضًا فيما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد، فقال: والله ما يسمعوني، فكيف أقدر أن أخذ منهم مالًا؟ ولكني أكثرت حديث النفس في أمر هذا الرجل، وتفكرت في شأنه، فقوله قول ساحر، والذي يأتي به سحر. فذلك قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ} ، قال ابن عباس: يريد في القرآن.
وقال مقاتل: في محمد، وقدر مع نفسه ماذا يقول له. فأنزل الله تعالى: {فَقُتِلَ} قال ابن عباس، (ومقاتل) ، والمفسرون:
لُعن؛ وذكرنا ذلك عند قوله: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} و {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .
قوله تعالى: {كَيْفَ قَدَّرَ} قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا منتظمًا بما قبله على معنى: فلعن علي أي حال قدر ما قدر، كما يقال في الكلام: لأقتلنه كيف صنع، أي على أي حال كانت فيه.
ويجوز أن يكون منقطعًا بما قبله مستأنفًا؛ لأنه لما قال: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ} ، كان هذا تمامًا، ثم قال على الإنكار، والتعجب: {كَيْفَ قَدَّرَ} ، كما تقول للرجل إذا أتى منكرًا: كيف فعلت هذا.
وقوله: {ثُمَّ قُتِلَ} ، أي عوقب بعقاب آخر.
{كَيْفَ قَدَّرَ} في إبطال الحق، تقديرًا آخر.