البشر - أيضاً - فلا يكون قوله، بل يكون قول من بدأ به، وهو اللَّه جل جلاله.
فلم يصر بتلاوة جبريل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
مخلوقًا، وجبريل مخلوق، ولا بتلاوة رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، على أصحابه مخلوقاً، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم،
مخلوق، ولا بتلاوة التالين إلى يوم القيامة، وإن كان التالون له مخلوقينْ.
وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"إن أفواهكم طرق"
للقرآن، فطهروها بالسواك"والأفواه مخلوقة، وهي تؤديه،"
فلا يصير مخلوقا.
وقد قال: طرق للقرآن - كما ترى - ولم يقل: لحكاية القرآن،
فالقرآن لا يكون لفظًا للعباد، ولا حكاية لهم عن غيرهم أبدًا لأنه
ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله جل جلاله، كيف احتمل، وكيف
أدي.
ولا أدري كيف اشتبه هذا على اللفظية، والقائلين بالحكاية، ولو
أنعموا الرويّة باتقاء وخشية، ونصحوا أنفسهم،
ولم يعتبوا عقولهم لعلموا: أن كل كلام ابتدأ به متكلم، ولفظ به
لافظ، لا يقدر أحد غيره أن يتكلم به، ولا يلفظ به أبدًا، لأن الذي
يحتمله من نطق غيره، ويؤديه إلى الأسماع هو كلام المبتدي به - لا
محالة - لا كلامه، إذ محال أن يكون كلام واحد لمتكَلِّمَين، ولفظ
واحد للافظين في حال واحدة، ولا في حالين - أيضاً - إن ظن
ظان أنه يمكن في حالين، لأنه لا يكون إلا حالاً واحدة، إذ حال
الكلام واحد بالسبق إليه.
والحال الثانية: تكون للأداء والإخبار، وكلاهما غير كلام المبتدي. وكلام المبتدي واحد حين ابتدأ، وحين أخبر عنه وأدي.
فإن كان هذا الإخبار والأداء عن كلام غير القرآن من كلام البشر،
كان - أيضاً - كلام ذلك البشر، لأن كلام المخبر والمؤدي إخبار
وأداء وإن كان الأداء والإخبار عن القرآن، الذي هو
كلام الخالق فهو كلامه، وهو غير مخلوق، وإن كان يؤديه مخلوق، ويخبر
به مخلوق، فتفهمه وإن دق عليك، فإنك تجده كذلك، إن شاء الله.