فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟
والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: {مَا سَلَكَكُمْ} : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: {يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين} ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟
قلت: قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ} ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟
أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟
{وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين}
أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
{حتى أَتَانَا اليقين} أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: {حتى يَأْتِيَكَ اليقين} [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟
فالجَوابُ: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} [البلد: 17] .
قوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين}
كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.