والثاني: أن الكفار يقولون: هذا العدد القليل، كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلقهم الله إلى قيام القيامة؟
والجواب عن الأول: أن هذا السؤال لازمٌ على كل عددٍ يفرض.
وعن الثاني: أنه لا يبعد أن الله يزرق ذلك العدد القليل قوة تفي بذلك، فقد اقتلع جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - مدائن قوم لوطٍ على أحدِ جناحيه، ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها.
وأيضاً: فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، ولا للعقل فيها مجال.
قوله تعالى: {وَلاَ يَرْتَابَ}
أي: ولا يشك {الذين أُوتُواْ} أي: أعطُوا {الكتاب والمؤمنون} أي: المُصدِّقُون من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أنَّ خزنة جهنَّم تسعة عشر.
«فَإِنْ قِيلَ» : لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب، وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين، فما الفائدة في قوله تعالى بعد ذلك: {وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُوا الكتاب والمؤمنون} ؟
فالجَوابُ: أن الإنسان إذا اجتهد في أمرٍ غامضٍ دقيقِ الحُجَّة كثير الشُّبه، فحصل له اليقين، فربَّما غفل عن مقدمةٍ من مقدِّمات ذلك الدليل الدقيق، فيعود الشرك، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، ففائدة هذه الإعادة نفي ذلك الشكِّ، وأنه حصل له يقينٌ جازمٌ، لا يحصل عقيبه شكٌّ ألبتة.
قوله: {عَنِ المجرمين}
فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
«فَإِنْ قِيلَ» : فعلى هذا يجب أن يقولوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} ؟
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟