وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى هُدَى اللَّهِ وَبَيَانِهِ، لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَنْ يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، وَبَيَانُ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ الْمُكَذِّبَ بِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ دُونَ الْمُصَدِّقِ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} يَا مُحَمَّدُ هَوَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فِيمَا يُرْضِيهِمْ عَنْكَ مِنْ تَهَوُّدٍ وَتَنَصُّرٍ، فَصِرْتَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِرْضَائِهِمْ، وَوَافَقْتَ فِيهِ مَحَبَّتَهُمْ مِنْ بَعْدِ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بِضَلَالَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَمِنْ بَعْدِ الَّذِي اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ نَبَئِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ} . يَعْنِي بِذَلِكَ: لَيْسَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ وَلِيٍّ يَلِي أَمْرَكَ، وَقَيِّمٍ يَقُومُ بِهِ، وَلَا نَصِيرٍ يَنْصُرُكَ مِنَ اللَّهِ، فَيُدْفَعُ عَنْكَ مَا يَنْزِلُ بِكَ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَيَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ أَحَلَّ بِكَ ذَلِكَ رَبُّكَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْوَلِيِّ وَالنَّصِيرِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى دَعَتْهُ إِلَى أَدْيَانِهَا، وَقَالَ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ: إِنَّ الْهُدَى هُوَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ غَيْرُنَا مِنْ سَائِرِ الْمِلَلِ. فَوَعَظَهُ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَلَّمَهُ الْحُجَّةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَهُمْ فِيمَا ادَّعَى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) }