قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا خَصَّ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُمَا لَهُ مِلْكًا وَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ إِلَّا وَهُوَ لَهُ مِلْكٌ؛ إِعْلَامًا مِنْهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ لَهُ مِلْكَهُمَا وَمِلْكُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ، وَأَنَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِذْ كَانَ لَهُ مُلْكُهُمْ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَفِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ، وَالتَّوَجِّهِ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وُجِّهُوا إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ مِنْ حُكْمِ الْمَمَالِيكِ طَاعَةُ مَالِكِهِمْ. فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَدْ بَيَّنْتُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْخَبَرِ عَنْ سَبَبِ الشَّيْءِ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ، كَمَا قِيلَ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: وَلِلَّهِ مُلْكُ الْخَلْقِ الَّذِي بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَبَّدُهُمْ بِمَا شَاءَ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ مَا يُرِيدُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ؛ فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَحْوَ وَجْهِي، فَإِنَّكُمْ أَيْنَمَا تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي.
فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَاسِخَةٌ أَمْ مَنْسُوخَةٌ، أَمْ لَا هِيَ نَاسِخَةٌ وَلَا مَنْسُوخَةٌ؟
فَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ الْخَاصُّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} مُحْتَمِلٌ: أَيْنَمَا تُوَلُّوا فِي حَالِ سَيْرِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ، فِي صَلَاتِكُمُ التَّطَوُّعَ، وَفِي حَالِ مُسَايَفِتِكُمْ عَدُوَّكُمْ، فِي تَطَوُّعِكُمْ وَمَكْتُوبَتِكُمْ، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ آنِفًا.
وَمُحْتَمَلٌ: فَأَيْنَمَا تَوَلَّوْا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ فَتَكُونُوا بِهَا فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ الَّتِي تُوَجِّهُونَ وجُوهَكُمْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مُمْكِنٌ لَكُمُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا مِنْهَا.
وَمُحْتَمَلٌ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ فِي دُعَائِكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي أَسْتَجِيبُ لَكُمْ دُعَاءَكُمْ.