ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} ، وجواب لو محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون ، لبادرتم إلى عبادته وتقواه وطاعتي فيما جئتكم به منه تعالى.
ولما لم يجيبوه وآذوه ، شكا إلى ربه شكوى من يعلم أن الله تعالى عالم بحالة مع قومه لما أمر بالإنذار فلم يجد فيهم.
{قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} : أي جميع الأوقات من غير فتور ولا تعطيل في وقت.
ولما ازدادوا إعراضاً ونفاراً عن الحق ، جعل الدعاء هو الذي زادهم ، إذ كان سبب الزيادة ، ومثله: {فزادتهم رجساً إلى رجسهم} {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم} : أي ليتوبوا فتغفر لهم ، ذكر المسبب الذي هو حظهم خالصاً ليكون أقبح في إعراضهم عنه ، {جعلوا أصابعهم في آذانهم} : الظاهر أنه حقيقة ، سدوا مسامعهم حتى لا يسمعوا ما دعاهم إليه ، وتغطوا بثيابهم حتى لا ينظروا إليه كراهة وبغضاً من سماع النصح ورؤية الناصح.
ويجوز أن يكون كناية عن المبالغة في إعراضهم عن ما دعاهم إليه ، فهم بمنزلة من سد سمعه ومنع بصره ، ثم كرر صفة دعائه بياناً وتوكيداً.
لما ذكر دعاءه عموم الأوقات ، ذكر عموم حالات الدعاء.
و {كلما دعوتهم} : يدل على تكرر الدعوات ، فلم يبين حالة دعائه أولاً ، وظاهرة أن يكون دعاؤه إسراراً ، لأنه يكون ألطف بهم.
ولعلهم يقبلون منه كحال من ينصح في السر فإنه جدير أن يقبل منه ، فلما لم يجد له الإسرار ، انتقل إلى أشد منه وهو دعاؤهم جهاراً صلتاً بالدعاء إلى الله لا يحاشي أحداً ، فلما لم يجد عاد إلى الإعلان وإلى الأسرار.
قال الزمخشري: ومعنى ثم الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. انتهى.
وكثيراً كرر الزمخشري أن ثم للاستبعاد ، ولا نعلمه من كلام غيره ، وانتصب جهاراً بدعوتهم ، وهو أحد نوعي الدعاء ، ويجيء فيه من الخلاف ما جاء في نصب هو يمشي الخوزلى.