وقيل أضل كبراء قوم نوح كثيراً من الناس {ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً} يعني ولا تزد المشركين بعبادتهم الأصنام إلا ضلالاً وهذا دعاء عليهم وذلك أن نوحاً عليه السلام كان قد امتلأ قلبه غضباً وغيظاً عليهم فدعا عليهم.
فإن قلت كيف يليق بمنصب النبوة أن يدعو بمزيد الضلال وإنما بعث ليصرفهم عنه.
قلت إنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى: {إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وقيل إنما أراد بالضلال في أمر الدنيا وما يتعلق بها لا في أمر الآخرة {مما خطيئاتهم أغرقوا} أي بالطوفان {فأدخلوا ناراً} أي في حالة واحدة وذلك في الدنيا كانوا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب.
واستدل بعضهم بهذه الآية على صحة عذاب القبر وذلك لأن الفاء تقتضي التعقيب في قوله تعالى أغرقوا فأدخلوا ناراً ، وهذا يدل على أنه إنما حصل دخول النار عقيب الإغراق ولا يمكن حمله على عذاب الآخرة لأنه يبطل دلالة الفاء ، وقيل معناه أنهم سيدخلون ناراً في الآخرة فعبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصدق الوعد في ذلك والأول أصح {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً} يعني تنصرهم وتمنعهم من العذاب الذي نزل بهم {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} يعني أحد يدور في الأرض فيذهب ويجيء من الدوران.
وقيل أصله من الدار أي نازل دار {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} قال ابن عباس وغيره كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي حذرنيه ، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك {ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم بعد ذلك أرحام النساء وأيبس أصلاب الرجال وذلك قبل نزول العذاب بأربعين سنة.