فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ الْحَقِّ تَرَفُّعًا عَنْهُ ، وَزَعْمًا بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ عُنْصُرًا ، وَأَزْكَى جَوْهَرًا ، كَمَا حَكَى اللهُ - تَعَالَى - عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلْقَتَهُ مِنْ طِينٍ) (7: 12) وَالِاسْتِكْبَارُ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ وَهُوَ الظُّهُورُ بِصِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ الَّتِي مِنْ آثَارِهَا التَّرَفُّعُ عَنِ الْحَقِّ ، كَأَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْكِبْرَ لَيْسَ مِنْ طَبِيعَةِ إِبْلِيسَ وَلَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ وَصْفِهِ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ مِنْ حَقِّ التَّرْتِيبِ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَاسْتَكْبَرَ وَأَبَى ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ عِنْدَهُ سَبَبُ الِاسْتِكْبَارِ وَالِاسْتِكْبَارُ سَبَبُ الْإِبَاءِ ، وَمِثْلُ هَذَا الْمُفَسِّرِ يُعَلِّلُ مُخَالَفَةَ
التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ فِي النَّظْمِ بِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ . (قَالَ الْأُسْتَاذُ) : وَلَكِنَّ نَظْمَ الْآيَةِ جَاءَ عَلَى مُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ فِي الذِّكْرِ ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْفِعْلَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْإِبَاءُ ، ثُمَّ يُذْكُرُ سَبَبَهُ وَعِلَّتَهُ وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَالسَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ وَهُوَ الْكُفْرُ .