قيل لهم: قد نطق عنه القرآن بأنه لم يكن يعلمها، ولا أحد من خلق الله عز وجل، لأنه قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلّم -: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أي إني أنا النبي الآخر، فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة وهي مع ذلك دانية، لأن شرائطها متتابعة بيني وبينها، وذلك أنه أشار بإصبعيه المتجاورين إيمانها.
إلا أن توليد الأنبياء عليهم السلام قد انقطع فليس يتراخى الأمر بعده إلى أن ندرس شريعته ويبعث بعده نبي، وإنما تليه القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليست بينهما إصبع، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، لأن ما بين الأشراط ولا بدنوها العلم بالساعة والله أعلم.
وهذه الأشراط قد ذكرها الله جملة في القرآن فقال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} .
أي دنت، وأولها النبي - صلى الله عليه وسلّم - لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي.
ثم بين النبي - صلى الله عليه وسلّم - بما يليه من الأشراط، فذكر أن تلد الأمة، ومنها: وتطاول الناس في البنيان، وضياع الحكم، وشرب الخمر ويكثر الهرج وتتابع الفتن، وتظهر المعارف، ويكون زعيم القوم أرذلهم، ويكرم الرجل مخافة شره، وقد كان هذا كله.
وذكر فيض العلم وقد بدت أوائله، وأموراً تهم الله تعالى ذكرها في قوله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} .
أراد بهذه الآية طلوع الشمس من مغربها، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم -: أنه كائن وأنذر تغلبه الإنزال، وخروج الدجال، وأن عيسى عليه السلام ينزل ويقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وأن المال يفيض في زمانه فلا يقبله أحد، ونطق القرآن بخروج الدابة من الأرض، وجاء ذكرها في الأخبار، وكل ذلك مقبول عندنا مصدق به.