وقد ورد فِي سبب نزول هذه الآية ما يدل على أن المراد بالإيمان هنا الصلاة، لأنها نزلت فِي قوم ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس - قبل الأمر بالتوجه إلى الكعبة - فتساءل ناس عنهم، أي عن حكم صلاتهم التي لم يتوجهوا بها إلى بيت الله الحرام؟ فنزلت الآية تطمئن المتسائلين على أنهم مثابون على صلواتهم كما يثاب غيرهم ممن أدرك القبلة الجديدة.
وهذا يدل على أن الصلاة - بكل ما فيها من قراءة وذكر وقيام وقعود وخشوع - من الإيمان.
ومن الآيات السابقة - وغيرها كثير - يظهر أن الشارع يطلق لفظ الإيمان على التصديق الجازم بالقلب كما فِي قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) وعلى أعمال القلب غير التصديق كما فِي قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذي إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... وعلى ربهم يتوكلون) ويطلق على أعمال الجوارح، كقوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ... تتجافى جنوبهم عن المضاجع ... ومما رزقناهم ينفقون)
وذكر ابن تيمية رحمه الله، الأصول التي أخطأ فيها الجهمية، فقال:
"وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ غَلِطُوا فِي ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:"
أَحَدُهَا: ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ الْعَمَلِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ تَصْدِيقٌ بِلَا عَمَلٍ لِلْقَلْبِ، كَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ وَخَوْفِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالشَّوْقِ إلَى لِقَائِهِ.
والثَّانِي: ظَنُّهُمْ أَنَّ لإيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا يَقُولُ بِهِ جَمِيعُ الْمُرْجِئَةِ.
والثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ كُلُّ مَنْ كَفَّرَهُ الشَّارِعُ، فَإِنَّمَا كَفَّرَهُ لِانْتِفَاءِ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِالرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" [مجموع الفتاوى (7/ 363 - 7364) ] "