الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون ، والإنذار وعدمه عليهم سيان . والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية ، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق ، وعلى أن الله تعالى هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق ، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل . وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟ وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟ ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته . فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم"فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه"يريدون أنه بليغ فِي الثبات عليه ، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا فِي زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم"سال به الوادي"إذا هلك ، و"طارت به العنقاء"إذا أطال الغيبة . وليس للوادي ولا للعنقاء عمل فِي هلاكه ولا فِي طول غيبته ، وإنما مثلت حاله فِي هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء ، والشيطان هو الخاتم فِي الحقيقة أو الكافر .