والحديث يدل على جواز أكل السمك الطافي، الذي مات من نفسه، خلافًا لبعض الحنفية الذين يرون عدم جواز أكل هذا، ولكن الراجح -حسب ما دل عليه الحديث والسنة الصحيحة- جواز أكل الطافي من السمك، وما ألقاه البحر إلى الشاطئ، فلو قال أحد: لو وجدنا على ساحل البحر سمكة، أو وجدنا سمكه عائمة على الماء ميتة، فهل نأخذها فنأكلها؟
الجوابنعم.
وقد وقع لي مرة أنني كنت على ساحل البحر، فكانت هناك سمكة طافية فأخذتها، فمر رافضيٌ فقال: أتأكلون هذه الميتة؟! إنها فطيس، قلت: وأنت إذا صدتها من البحر وأخرجتها ماذا تصبح؟ أليست فطيسًا يا أفطس العقل؟! فبعض هؤلاء من أهل البدع عندهم القضية هذه، أيضًا يفرقون بين ما أحل الله، لماذا؟! لذلك العلماء يقولون: إذا لم يكن متغيرًا متعفنًا فإنه يؤكل؛ لأن المتعفن يضر بالجسم، والسمك إذا صدته أو اللحم العادي إذا ذبحته وتركته حتى تعفن فإنه يضر، ولذلك إذا رأيت سمكة على سطح البحر فخذها؛ فإن كانت سليمة ليس فيها شيء؛ فكلها هنيئًا مريئًا، وهو سيموت بخروجه من البحر؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد) .
وهذا الذي قذفه البحر يمكن أن يؤخذ منه أنه كرامة لأولياء الله؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في الجهاد، وكانوا في مخمصة وفي مجاعة، فأخرج الله لهم هذا الحوت، كرامة منه سبحانه، وأطعم ثلاثمائة رجل من الصحابة، انظر إذا أراد الله أن يطعم كيف يطعم!! أطعمهم بهذه الوليمة الفاخرة، حوت يكفيهم شهرًا، أكلوا منه، وحملوا معهم إلى المدينة، وقطعوا من اللحم، وأخذوا من الدهن واستمتعوا به، رزق ساقه الله إليهم (إنما هو رزق ساقه الله إليكم، وأنتم في مخمصة) والنبي عليه الصلاة والسلام وضح لهم حله، والصحابة أكلوا منه حتى سمنوا، فقد كان الواحد نحيلًا نحيفًا من المجاعة التي أصابتهم، فأكلوا منه لحمًا طريًا {تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر:12] .
إنه منة من الله، فأخرج لهم هذا، فأكلوا منه شهرًا، وقددوا منه، أي: جففوا من الشرائح اللحم هذه الفدر، جففوا منها وأخذوا معهم، ولذلك قال بعضهم توفيقًا بين رواية أنهم أقاموا عليه خمسة عشر يومًا، ورواية أنهم أكلوا منه شهرًا، قالوا: أكلوا خمسة عشر يومًا طازجًا وأكلوا باقي الشهر من القديد المجفف.
وقال النووي رحمه الله في حكم السمك الطافي: وأما السمك الطافي -وهو الذي يموت في البحر بلا سبب- فمذهبنا إباحته، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم، منهم أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء، ومكحول، والنخعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود وغيرهم، ودليلنا قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة:96] قال ابن عباس والجمهور: صيدهُ ما صدتموه، وطعامه ما قذفه.
كذلك ما ألقاه البحر أو جزر عنه، أحيانًا البحر يكون فيه جزر، فيوجد سمك في قاع البحر كشف الجزر عنه، فيلتقط ويؤخذ.
وأما حديث: (ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه) فهو حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج به، فإن قال قائل: إنما أكلوه مضطرين.
فكيف يرد عليه؟! يرد عليه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل منه ولم يكن في مخمصة، فهذا يدل على جواز الأكل منه.
هذا ما تيسر ذكره من فوائد هذه القصة.
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا من سيرهم وأن يجزل لهم الأجر والمثوبة إنه سميعٌ قريب.