إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت بين خلقه في الخُلُق كما فاوت بينهم في الخلق، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، الذي قال الله سبحانه وتعالى في شأنه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] .
أيها الإخوة: إن موضوع الخلق من الموضوعات الإسلامية المهمة التي عليها يدور نجاح حياة المسلم، فكيف ينجح العالم في وظيفته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الزوج في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الداعية في حياته إذا لم يكن على خلق؟ وكيف ينجح الأخ مع إخوانه إذا لم يكن على خلق؟ فالأخلاق عليها مدار نجاح الإنسان في هذه الحياة، حتى قال بعض العلماء: إن الدين كله هو الخلق، ونحن نعيش أزمة أخلاق في واقعنا، سواءً على مستوى العلاقات الزوجية، أو المصلين في المساجد، أو الطلاب والمدرسين، أو الموظف والمراجعين، أو الجار وجيرانه، بل بين طلبة العلم والعلماء والأقران، وهذا مما يؤكد أهمية طرق هذا الموضوع.
وحيث أن عددًا من الدروس في هذه الإجازة لها اتجاه علمي صرفٌ في المصطلح، أو التفسير وعلوم القرآن، أو أصول الفقه أو الفرائض أو اللغة ونحو ذلك، فإنني أجد أن الحديث عن موضوع الخلق من الموضوعات التي لا تقل أهميةً أبدًا عن تلك المواضيع، ولعلنا -إن شاء الله- سنكون مع مجموعة من الدروس في هذه الإجازة نقضي كل ليلة مع خلق من الأخلاق الإسلامية الحسنة، نبين فيه مكانة هذا الخلق في الإسلام وأدلته ومعناه، وشيئًا من تطبيقاته في الواقع.
وأقول: إن الموضوع مهم للغاية وأكثر مما قد يتصور البعض، وبعض الأخلاق لها جوانب فقهية وتتعلق بها أحكام، كما لو طرق -مثلًاَ- موضوع العدل فإنك ستلاحظ فيه أحكامًا في العدل بين الأولاد، والعدل بين الزوجات ونحو ذلك.