فهرس الكتاب

الصفحة 6089 من 7040

من الأمور التي تقدح في الإخلاص: أن يشعر بعض الدعاة أو يشعرون المدعو بأنهم أصحاب فضل عليه، وأنه لا بد أن يشكرهم على ما أسدوا إليه من المعروف العظيم، أو يحاول داعية أن يستغل مدعوًا في أموره الدنيوية، من أمواله أو سيارته ونحو ذلك، وبالتالي يشعر المدعو أنه محل مطمع أو مطامع فيهرب.

وإذا كانت الدعوة لله والعلاقة بين الداعية والمدعو مبنية على الإخلاص لله، فإن الداعية يتحرك مع هذا المدعو يبتغي الأجر والثواب من الله، وهو يعلم تمامًا أنه لا يصلح له أن يتوقف عن الدعوة، ولا يصلح له أن يدعو ساعة وساعتين أو يومًا ويومين ثم يترك الدعوة.

فهي ليست على التفرغ وإنما هي مهمة مستمرة، وإحساسه بهذا الأجر والثواب يدفعه للمواصلة وعدم التوقف، وهو يتذكر حديثه عليه الصلاة والسلام في شأن اليهود الذين عملوا من أول النهار إلى الظهر على أجر معلوم، ثم قالوا لصاحب العمل: لا نريد أن نعمل ولا نريد أجرًا، فقام النصارى فعملوا من الظهر إلى العصر ثم قالوا لصاحب العمل: مللنا، لا نريد مالًا ولا أجرًا ولا نريد العمل، ثم قام المسلمون، فعملوا من العصر إلى آخر النهار -إلى موعد استيفاء الأجر؛ لأن الأجر سيحل في آخر النهار؛ إذ الأجرة على من أكمل العمل إلى آخر اليوم فأخذوا أجر الفرق جميعًا.

والشعور بأن المسألة فيها حسنات، ورفع درجات، واقتداء بالأنبياء، وأنك ستحصل على مثل حسنات هذا المدعو لو اهتدى، وأن كل عمل سيقوم به هذا المدعو نتيجة دعوتك، فإن لك من الأجر مثلما يعمل، هذا هو الذي يحركك وهو الذي يدفعك ويكون عندك اندفاعًا ذاتيًا، ولن تقول: تعبت أو يئست، ولن تترك شخصًا إلا لمصلحة شرعية.

وهذا الشعور هو الذي سيدفع الداعية للصبر على الصدمات والانتكاسات، قد يرجع إليه المدعو بعد إجازة وقد غير شيئًا من السنن التي كان قد تمسك بها، أو ترك واجبات أو وقع في محرمات، فيكون الصدر فسيحًا متسعًا للتلقي وهو يعلم هذا الداعية بأن هذا المدعو لم ينضج بعد: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت