ثالثًا: كيف يعرف العامي، أن فلانًا أهل للسؤال؟ الجواب يعرف ذلك بأمور، منها: التواتر بين الناس والاستفاضة بأن فلانًا أهل للفتوى، والمقصود بالناس العقلاء العارفون، وليس عوام الناس الذين يُلبس عليهم في بعض البلاد، ففي بعض البلاد يُلبس على بعض العامة؛ يقول لك آلاف من الناس: فلان هذا المفتي، اسأل فلانًا، وهذا ملبس عليهم فيه، فمن تواتر بين الثقات العارفين واستفاض بين الناس بأنه أهل للفتوى وعالم فهو الذي يسأل.
الطريقة الثانية: تزكية العلماء العدول الثقات لفلان بعينه أنه أهل للفتوى، فيقصد ويسأل.
الطريقة الثالثة: إذا تعدد المفتون في بلد، فماذا يجب على الشخص؟ هل يجب عليه أن يعرف الأعلم ليسأله، أو يسأل أي واحد منهم، مادام أنه صالح للفتيا؟ قال بعض أهل العلم: لا يجب على العامي البحث عن الأعلم مادام الجميع أهلًا للفتوى، وإنما يسأل من يتيسر منهم، خصوصًا أنه عسير على العامة معرفة وتمييز من هو الأعلم، فكيف سوف يعرفون؟ الذي ليس عنده موازين فكيف يميز؟ فهذا يقلد شيخًا يثق به، صالحًا للفتوى، يسأله فيقلده، ولما ضل الناس في مسألة التحري، نفذت عندنا أمور مهلكة، وقضايا مضحكة، وأضرب لكم مثالين مما سمعت في هذه المنطقة: رجل ظاهر من امرأته، قال لها: أنت علي كظهر أمي، ما حكمه في كتاب الله؟ عليه عتق رقبة، ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينًا، إذا لم يستطع بالترتيب، هذا الرجل ذهب إلى إمام مسجد، الناس الآن من المآسي والمصائب الموجودة عندنا أن الناس لا يميزون في السؤال، ذهب إلى إمام مسجد، قال له كذا، قال: اجلس! قل ورائي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ هذا الإمام آيات سورة المجادلة، وآية الظهار في سورة المجادلة، والشخص الآخر يقرأ وراءه، بعدما انتهى من القراءة، قال: خلاص انتهى، اذهب ما عليك شيء، انظر كيف حل المسألة؟ مع أن المفروض أن يقول: اسمع حكم الله في المسألة، ثم يقول: سمعت حكم الله اذهب ونفذ، لكن هذا قرأ له الآيات، قال اقرأها ورائي، فلما قرأها قال: اذهب، لا شيء عليك.
مثال آخر واقعي: رجل وطئ امرأته في نهار رمضان، ما حكم الله في المسألة؟ عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، المسألة فيها تغليظ، القضية قضية عقوبة، ليست المسألة مسألة هزل، فإن لم يستطع، يطعم ستين مسكينًا، ذهب إلى واحد، يسأل من هب ودب، أقرب شخص أو إمام مسجد لا يخاف الله، قال: أنا فعلت كذا وكذا، قال: هذه بسيطة، عليك إطعام ستين مسكين، ثلاثين عليك وثلاثين على زوجتك، وحتى الستين ليست عليه، لكن قسمها بالنصف، قال: عليك ثلاثين وعلى زوجتك ثلاثين.
وأمثلة هذا كثيرة جدًا، هناك أناس يحلون ما حرم الله، وهناك أناس يحلون ما علم حرمته من الدين بالضرورة مثل الربا وغيره، هناك أناس يحلون نكاح المتعة، وهناك أناس يحلون أشياء كثيرة جدًا من الحرام الذي أجمعت عليه الأمة، وعلم في الضرورة أنه حرام، لكن من الناس من لا يخاف الله، ويتجرأ، وليس عنده أدنى مانع من أن يعطي الناس الأريح، وأن يفتي بالرخص الضالة الكاذبة، ويجعل دين الله ملعبة، وبعضهم يزعم أن هذا وسيلة للدعوة أن نرخص للناس، ونخفف على الناس، فيكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى علماء الأمة، ويعطي الناس أحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان، أو يوجب على الناس أشياء لا تجب عليهم، يأتي واحد في الحج يسأل جاهلًا، يقول له: فعلت كذا، فيقول: هذه فيها دم، وهذه فيها دم، وهذه فيها دم، خمسة دماء، ستة دماء، وربما ولا واحد منها فيه دم، فإذًا قضية إيجاب ما لا يجب على الناس حرم أيضًا، فقضية تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وقضية إيجاب ما لا يجب، كله ليس من دين الله ولا من شرعه.